التصعيد الإيراني الأمريكي.. قراءة في المشهد العراقي


23 May
23May

التصعيد الإيراني الأمريكي.. قراءة في المشهد العراقي

تنتهج حكومة عادل عبد المهدي سياسة معلنة وواضحة ترى ضرورة إبعاد العراق عن دائرة التوترات الأمريكية الإيرانية التي تمثل الساحة العراقية، أكثر من غيرها، ساحة لتصفية الحسابات بينهما، سواء مباشرة أو عن طريق حلفاء محليين للدولتين. 

وتسعى حكومة بغداد إلى التوفيق بين علاقاتها مع الولايات المتحدة وإيران بنوع من التوازن وعدم الانحياز إلى أي منهما مداراة لمصالحها العليا بتجنيب العراق الدخول في صراعات الدول الأخرى بالوكالة. 

ويرفض رئيس الوزراء العراقي دخول العراق في سياسة المحاور إلى جانب دولة ضد دولة أخرى مع حرص بلاده على إقامة علاقات متوازنة مع جميع الدول بما يخدم مصالح العراق ومصالح الدول الأخرى في المنطقة والعالم. وانطلاقا من هذه التوجهات جاء عرضه بالتوسط بين واشنطن وطهران.

إلا أن توجهات الحكومة المركزية تصطدم بواقع وجود جهات متنفذة في مراكز القرار ومؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية والتشريعية تصطف إلى جانب السياسات الإيرانية ضد الولايات المتحدة في العراق والمنطقة. 

ونقلت وسائل إعلام حلية عن نائب الأمين العام لحركة النجباء قوله إن ما اسماها "فصائل المقاومة العراقية" جاهزة لاستهداف المصالح الأمريكية في الوقت الذي تراه مناسبا. 

وفي نفس السياق تحدث أحد أبرز قيادات حركة عصائب أهل الحق الحليفة لإيران عن إن القوات الأمريكية المنتشرة في بعض المحافظات العراقية سوف لن تكون في مأمن "إذا تعرض محور المقاومة إلى ضربات أمريكية إسرائيلية". 

ووفقا لما أورده رئيس الوزراء العراقي بمؤتمره الصحفي الأسبوعي، الثلاثاء 14 أيار/مايو، فان العراق "يبذل جهودا كبيرة للتهدئة مع مؤشرات من كلا الطرفين على إن الأمور ستنتهي إلى خير". 

يميل معظم المراقبين إلى إن العراق سيكون أول ساحة قتال محتملة لمواجهات لن تكون بين الولايات المتحدة وإيران اللتان تتجنبان الحرب وتعلنان حرصهما على عدم الدخول في دائرتها بينما تهدد الولايات المتحدة بالرد على إيران إذا هاجمت قواتها ومصالحها في العراق أو في المنطقة في مقابل تحذيرات إيرانية من ردود "قاسية" على الولايات المتحدة والدول الحليفة لها. 

وتحتفظ الولايات المتحدة بوجود عسكري لأكثر من 5200 جندي يتوزعون على ثمانية قواعد، من بينها قواعد في إقليم شمال العراق من المحتمل ألا تعترض حكومة الإقليم على استخدامها من قبل الأمريكيين ضد إيران. 

وتتحسب إيران من استخدام الولايات المتحدة أراضي إقليم شمال العراق، قاعدة حرير العسكرية في أربيل، لشن هجمات على منشآت أو مدن إيرانية أو استهداف القوات الحليفة لها في العراق. 

وفي تصريحات أدلى بها قائد الحرس الثوري الإيراني حسين سلامي حذر فيها بان أراضي إقليم شمال العراق "ستكون تحت رحمة الصواريخ الإيرانية" حال تقديم أي مساعدات لوجستية أو حال استخدام أراضي الإقليم منطلقا لضرب إيران. 

سبق لنائب وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط خلال زيارته لأربيل مؤخرا أن طلب بشكل صريح من حكومة الإقليم والقيادات السياسية في الحزبين الكرديين وقف التعامل مع إيران، كجزء من الحملة التي تقودها واشنطن ضد طهران ودورها المزعزع للاستقرار في المنطقة. 

أعلن التحالف الدولي للحرب ضد تنظيم داعش، ليل الثلاثاء 14 أيار/مايو، "حالة تأهب قصوى بسبب تهديد وشيك للقوات الأمريكية بالعراق" في ذات الوقت الذي أعلن التحالف في وقت سابق إن الحرب على إيران ليست من مهامه. 

السياسات الأمريكية الجديدة تتضمن تحميل إيران المسؤولية المباشرة عن أي هجمات تشنها جماعات أو منظمات أو قوات حليفة لها ضد مصالح الولايات المتحدة، وهو ما يثير قلق حكومات بعض الدول، مثل لبنان والعراق الذي تنشط فيه مجموعات مسلحة طالما هددت الولايات المتحدة، مثل عصائب أهل الحق وحزب الله العراقي وحركة النجباء وفصائل أخرى حليفة لإيران. 

وترى الولايات المتحدة أن "عصر تجاهل الاعتداءات الإيرانية قد انتهى"، وان واشنطن ستحاسب طهران على "هجمات وكلائها دون تفريق بين الحكومة الإيرانية ووكلائها". 

وتتبنى إيران سياسة خوض حروبها الخارجية عبر قوات "محلية" حليفة لها في عدد من دول المنطقة، العراق وسوريا ولبنان واليمن، من منطلق إدراكها بان المواجهة المباشرة من خلال القوات النظامية أو الحرس الثوري مع الولايات المتحدة أو الدول الحليفة لها ستكون ذات أكلاف مرتفعة تثقل كاهل المؤسسات العسكرية والاقتصاد الإيراني والبنية التحتية للبرنامج النووي وبرنامج الصواريخ البالستية متوسطة المدى. 

تصاعدت حدة التوترات الأمريكية الإيرانية بعد تلقي الإدارة الأمريكية معلومات استخبارية إسرائيلية عن مخطط إيراني لاستهداف جنود أمريكيين في العراق أو في قاعدة التنف العسكرية في سوريا على المثلث الحدودي العراقي السوري الأردني بواسطة مجموعات مسلحة عراقية حليفة لإيران قالت وسائل إعلام أمريكية أنها لمقاتلين من حركة عصائب أهل الحق وكتائب حزب الله العراق. 

وتنتشر وحدات عسكرية تابعة لمقاتلي الحشد الشعبي في غرب محافظة الأنبار وتسيطر على مسافات طويلة من الحدود العراقية السورية. 

وتتخوف الولايات المتحدة من تزويد إيران لبعض المجموعات العراقية المسلحة بصواريخ متوسطة أو بعيدة المدى لاستهداف القوات الأمريكية ومصالحها في العراق، وفي سوريا أيضا. 

ووفقا لتقارير إعلامية وتصريحات لمسؤولين أمريكيين فان إيران سبق أن زودت فصائل مثل عصائب أهل الحق وحركة النجباء وحزب الله العراق بصواريخ يصل مداها إلى 300 كيلومترا، وأخرى بمديات 150 كيلومترا و210 كيلومترا يمكن أن تصل إلى الأهداف الأمريكية في العراق وسوريا. 

يسود اعتقاد في الأوساط السياسية العراقية بان أي تصعيد عسكري بين الولايات المتحدة وإيران ستكون الأراضي العراقية المسرح الأهم له، إلى جانب الاعتقاد بان أي مواجهة بين البلدين ستكون بدايتها من العراق الذي تفرض إيران نفوذها الواسع عبر مجموعات شيعية مسلحة حليفة لها. 

ولا تبدو إيران بحاجة للدخول في مواجهات عسكرية "مباشرة" مفتوحة على كل الاحتمالات مع الولايات المتحدة طالما أن هناك قوات "محلية" حليفة لها في أكثر من دولة من دول المنطقة قادرة على استهداف المصالح والأفراد الأمريكيين، ومصالح الدول الحليفة لها في المنطقة. 

كما إن الولايات المتحدة لا ترغب هي الأخرى في ضرب إيران أو الدخول في حرب معها غير مضمونة النتائج حتى مع واقع غياب أي معيار من معايير التوازن في القوة العسكرية للبلدين. 

قد تجد إيران نفسها أمام خيار تحريك القوى الحليفة لها لاستهداف مصالح أمريكية في العراق والمنطقة مع تصاعد حدة الآثار المترتبة على "حملة الضغط القصوى" الأمريكية لتفجير الأوضاع في المنطقة ودفع المجتمع الدولي للضغط على الولايات المتحدة للقبول بالجلوس إلى طاولة الحوار مع إيران بعيدا عن الشروط "التعجيزية" التي وضعها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو.


تحليل وكالة الاناضول


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.