العراق ..مئات المليارات سنويا بدون انجازات حقيقية ملموسة!


31 Aug
31Aug

العراق ..مئات المليارات سنويا بدون انجازات حقيقية ملموسة!

نشك ان الاجراءات الامنية في البصرة ، هدفها القضاء على "الفوضى" واستتباب الامن في المحاقظة ، لانها طالت العديد من الناشطين المدنيين في الحراك المدني المطالب بالخدمات والوظائف. وهي مطالب اقرها وكفلها الدستور ، ما يعني ان الحراك المدني او الحركة الاحتجاجية والمظاهرات في البصرة قانونية ودستورية ، فالبصرة تعاني فعلا من بطالة واسعة ، ونقص كبير في الخدمات . ويمكن العودة الى ما حدث الصيف الماضي من نقص في المياه والكهرباء وارتفاع نسب البطالة بين الشباب ،لاستيعاب مدى معاناة البصرة غير الانسانية التي مرت وتمر بها على اكثر من صعيد .

وما انتشار المخدرات والارتفاع نسب الفقر والسرقات والمخدرات وغيرها من الافات الاجتماعية ، سوى نتيجة لسوء الاوضاع وابرزها البطالة بين الشباب وتراجع فرص التأهيل والعمل وتدني المستوى التعليمي الذي يزيد تفاقم الاوضاع ولا يساهم في حل هذه المشكلات التي مضى عليها عقد ونيف دون علاج يقلل من اثارها السلبية على المجتمع .

واستغلت هذه الاوضاع المزرية لاسكات واتهام قوى الاحتجاج وحراكاتها المدنية ، وهذا لا يحل هذه المعضلات والافات، ويعتبر بمثابة دواء يهديء حدة الازمات ،ولا يخفف من اضرارها الاجتماعية وسلبياتها ،او ينهي تأثيرها في المجتمع طالما ان هذه الازمات مستمرة بدون حلول عملية ومعالجة واقعية لاسبابها ، التي ادت الى اتساع حجم الاحتجاجات والتظاهرات في البصرة ، ووصلت لحد الصدام بين المحتجين والمتظاهرين والقوات الامنية .

ويمكن ملاحظة تراجع حركة  التظاهرات والاحتجاجات نتيجة لقمعها بشكل واضح ، بعد ان توسعت لتشمل فئات اوسع من فئة الشباب والعاطلين عن العمل والمطالبين بالخدمات كالمياه النظيفة والكهرباء وغيرها من المطالب المشروعة .ناهيك عن الفئات القبلية ، التي زجت بالكثير من مؤيديها بهذه الاحتجاجات منذ بدايتها . وتراجعت حدة التظاهرات ونشاط الحركات الاحتجاجية المدنية ، نتيجة للقمع والضغوطات الامنية غير المبررة ،لانها تعتبر نشاطات سلمية ومدنية يحيزها القانون والدستور .

وانتشرت انباء تلقي نشطاء الحراك المدني وقادة ومنطمي الاحتجاجات والمظاهرات تهديدات بالقتل ، عبر رسائل نصية ، واكد اكثر من مصدر صحة هذه التهديدات ، وعرضوا نماذجا من هذه الرسائل على وسائل الاعلام ، وفيها عبارات تهديد وانذارات من مغبة المشاركة وتنظيم الاحتجاجات ، ادت الى هجرة العديد من نشطاء ومنظمي الاحتجاجات الى محافظات اخرى اكثر امانا ، والسبب الرئيسي لاخذ تلك التهديدات محمل الجد ، ان العديد من الفصائل المسلحة التي فاز بعضها بمقاعد بمجلس المحافظة ، شاركت بقمع المتظاهرين وتوجيه التهديدات لنشطائها وقادتها .

وما زال اكثر من 93 من النشطاء المدنيين رهن الاعتقال ، بتهم ليس لها علاقة بنشاطهم المدني والسلمي المطالب بالخدمات .بعد ان لاقى حراكهم وتظاهراتهم المدنية تأييدا شعبيا واسعا ، فقد كانت مطالبهم واضحة وواقعية ،ويمكن اعتبارها مطالب اكثرية فئات المجتمع البصري ، فالجميع يعاني من نقص الخدمات واتساع دائرة البطالة والفقر وتدني مستوى التعليم وانتشار ظاهرة المخدرات المقلقة كباقي محافظات الوسط والجنوب .

لا احد ينكر احراز بعض التقدم على مستوى الخدمات والتوظيف وارتفاع نسب تجهيز الكهرباء والاسراع بانجاز مشاريع تنموية مهمة هنا وهناك ، ولكنها ما زالت بعيدة عن تلبية الحد الادنى لمطالب المحتجين، وبحاجة الى تسريع وتيرة العمل والانجاز ، عندئذ تنتفي الحاجة لتنظيم تلك الاحتجاجات بعد تلبية مطالبها المدنية المشروعة . 

ولن تحل هذه الازمات والمعضلات باستخدام القمع واداواته كالسجون والتهديدات من قبل الاجهزة الامنية او الفصائل المتعاونة معها ، انما تفاقم نقمة المواطنين على الحكومة المحلية والاجهزة الامنية ، وتؤدي الى استغلال الاحتجاجات اوتحريفها عن اهدافها بتوفير الخدمات والوظائف والتخفيف من نسب الفقر  ومكافحة الامية المنتشرة واستشراء الامراض والفساد وغيرها من الافات ، وهي مطالب مشروعة غير متجاوزة على القانون اوالاجهزة الامنية المسؤولة ، سوى استثناءات قليلة ، لا يمكن اعتبارها من اسباب القمع، ومعاقبة النشطاء والمنظمين باساليب موتورة كالحبس والتهديد او كيل التهم جزافا ضدهم وضد حراكهم المدني والسلمي . ولا تخلو هذه الاحداث المؤسفة من المشاكل والتعقيدات في اوضاع شبه متأزمة ، فمن الضروري التفريق بين الاحتجاجات ومنظميها ومن يحاول استغلالها لاسباب تعكير الامن او تحقيق اغراض واهداف سياسية وفئوية ليست لها علاقة بمطالب المحتجين والمتظاهرين . مثلما نلمس تداعياتها السلبية عن طريق القمع غير الضروري اوالتهديدات والتهم الجزافية للنشطاء ومنظمي تلك الفعاليات السلمية التي يجيزها القانون والدستور .

وافات كالفساد والتلكؤ بانجاز المشاريع التنموية والبطالة وانتشار الفقر والامية على نطاق واسع ونقص الخدمات ، لا يمكن انكارها اوالتغاضي عنها، وتتحمل الحكومة المحلية المسؤولية عن تحقيق تلك المطالب التي تهم الحياة اليومية للمواطنين ،وفي النتيجة فهي مطالب واقعية من الممكن تحقيقها مع ارتفاع التخصيصات المالية لميزانيات المحافظات ، خاصة البصرة بعد ان عانت طويلا من قلة التخصيصات المالية سابقا. 

وليس امام الحكومات المحلية سوى تهدئة الاوضاع وعدم الانجرار للفتنة ، ومنع استخدام الاجهزة الامنية والفصائل المسلحة كادوات للقمع ، والبدء بالعمل المنتج والتخلي عن ترحيل المسؤوليات على الاخرين او التبرء منها ، والبدء بالعمل الجاد لتغيير انماط العمل والانجاز ، هي الحل، اي تحقيق نسب انجاز معقولة ومقنعة تتناسب مع حجم التحصيصات المالية ، لتعيد الثقة بينها وبين المواطنين الذين يعانون من سوء الخدمات والغلاء والبطالة وغيرها من الافات الاجتماعية الخطيرة. .والتصعيد في النتيجة لا يخدم هذه الحكومات او يؤدي الى تفتيت وتمييع مطالب المحتجين والمتظاهرين ، لانها باقية طالما بقيت الاوضاع على ما هي عليه على مستوى الخدمات وسوء الادارة وقلة الانجازات الملومسة التي يساهم تراجعها بتدهور المستوى المعيشي للمواطنين ولا تحقق الحد الادنى من مطالبهم المشروعة . مضى على تلك المطالب اكثر من ثلاث دورات انتخابية محلية ،دون حدوث تغيرات نوعية سواء في مجال الاستثمار والانتاج او سد النواقص بالخدمات الاساسية او التخفيف من البطالة والفقر وما يتسببان به من مشاكل اجتماعية ، مقابل نسب انجاز ضئيلة لا تتناسب مع التخصيصات المالية التي تصل الى مئات المليارات سنويا او تحقيق الحد الادنى من مطالب المواطنين .

 وتبقى التظاهرات السلمية المطالبة بحقوق مشروعة ، قانونية ودستورية ، وقابلة للاستمرار ، طالما بقيت المطالب رهن الوعود والتسويف ، دون تحقيق الحد الادنى من الانجازات او تقديم بدائل وانجازات مقنعة تطمئن المواطن على حياته ومستقبله في ظل تراجع الخدمات وتدهور الاوضاع الصحية والتعليمية والمعيشية نتيجة الغلاء والبطالة ، وعدم تقديم انجازات واقعية ملموسة تتناسب مع الميزانيات المالية الانفجارية طيلة ثلاث دورات انتخابية ، ودون ان تلوح في الافق تغيرات جدية تميل الى تحقيق مطالب المواطنين بالعمل وليس بالوعود ، وبالانجازات التي تؤدي الى رفع مستوى معيشته ورفاهيته وتحقق الحد الادنى من مطالبه المشروعة . 

ولا شك ان جميع المظاهرات والاحتجاجات التي تخرج في محافظات الوسط والجنوب ، مشروعة وقانونية ، ولا يمكن قمعها وتهديد النشطاء فيها وفقا للقانون ، سواء من قبل الاحزاب المشاركة بالحكومات المحلية وأذرعها المسلحة او الاجهزة الامنية المسؤولة عن استتباب الامن والاستقرار ، لانها مظاهرات مدنية وسلمية ضد الفساد والتقصير باداء الواجبات وعدم تلبية المطالب المشروعة للمواطنين، رغم التخصيصات المالية التي تجاوزت مئات المليارات سنويا . بل من واجبات ومهمات القوى الامنية حماية المتظاهرين ،وليس تهديدهم او المشاركة بقمع احتجاجاتهم وتظاهراتهم السلمية او السماح بتهديدهم من قبل الاحزاب او الفصائل العسكرية المسلحة ، واغلبها غير مرخصة رسميا او تعمل من خارج اطار الموسسات الامنية الرسمية للدولة .

قيس العذاري 

   

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.