أبواب الميزانية المالية الضرورية مغلقة الى إشعار آخر


أبواب الميزانية المالية الضرورية مغلقة الى إشعار آخر

قيس العذاري   

ليس من السهولة أن نجد ميزانية تناظر الميزانية المالية للعراق. وقد لا نجد ما يناظرها في اكثر دول العالم تمايزا فئويا وتخلفا؛ فنسبة الايرادات غير النفطية تشكل 5،4% من الميزانية، ونسبة الموازنة الاستثمارية 4،2%، فهل من المقنع ان تكون الموازنة الاستثمارية 4،2 بالمئة من الميزانية في بلد يعاني من البطالة وفي مرحلة اعادة بناء واعمار ما خربته الحروب؟ 

بينما نفقات الرئاسات الثلاث 1.04 بالمئة من الميزانية لاشخاص لا يتجاوز عددهم خانة المئات.

لا نعلم متى يصحو هؤلاء من نومهم او يدركوا ما يحاك لهم ولبلدهم، فما زال البلد رغم جيوش العاطلين عن العمل والخريجين الشباب ونقص الخدمات، غارق بالفساد بسبب التيارات والاحزاب الدينية، لدرجة الاساءة للدين، ولشدة فسادهم تعتبر بشكل او بآخر اساءة بالغة لكل الاديان والطوائف، لان الاديان وجدت للإصلاح والعمل والتعايش بين الناس وليس للفساد والاستيلاء على حقوق الاخرين وتجريدهم من الكرامة او مصادر اسباب معيشتهم وحقوقهم.

الجميع متساوون وفقا للدستور ولهم حقوق دستورية بثروات بلادهم. ولكن حين نطالع الميزانية المالية نصاب بالاحباط، لغياب الحد الادنى لتغطية الاحتياجات الضرورية، خاصة في ما يتعلق بإنصاف الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل، وشريحة الارامل والمعاقين والعاطلين والأيتام والعاجزين عن العمل.

وكذلك الحال بالنسبة للذين شردتهم الحروب والاعداد الكبيرة للنازحين الذين يشكلون مئات الالوف، ويعيشون تحت ظروف غير طبيعية، مليئة بالمعاناة من جميع الجوانب، ومضى على بعضهم سنوات طويلة في مخيمات تفتقر الى ابسط الخدمات، واغقلت الميزانية كذلك في ابوابها ذكر بعض هذه الشرائح، وفي ميزان العدل ان وجد، الفقراء ومن يعيشون ظروفا استثنائية، احق بالميزانية المالية للرئاسات الثلاث ومجلس الوزراء والدرجات الخاصة وما شابه. هؤلاء لا فائدة منهم، وهم بدون الشعب وشرائحه وفئاته المختلفة ليست لهم قيمة تذكر افرادا واحزابا وتيارات!

والفئات الضعيفة والفقيرة في المجتمع، أولى من رؤساء التيارات والاحزاب الدينية والطائفية المنافقة والمنتفعين منها، بالرعاية وتأمين مستلزمات حياتهم. فقد اثبت هؤلاء فسادهم بما لا يدع مجالا للشك، وآلاف الملفات المكدسة بهيئة النزاهة ولجنة النزاهة البرلمانية تشهد عليهم. نحن بحاجة الى اعادة النظر بابواب الميزانية المالية لتشمل فئات وشرائح المجتمع ابتداء من الفئات الضعيفة والفقيرة؛ بحيث تكون الرئاسات والاحزاب والتيارات السياسية والدينية باخر القائمة لتجاوزها على حقوق المواطنين وفسادها وسقوطها في وحول السمسرة والتعدي على الممتلكات الخاصة والعامة بطرق غير قانونية يحاسب عليها القانون والقضاء. واعادة النظر بالميزانية الاستثمارية، لانها تشكل العصب الاساسي بعمليات الانتاج والاستثمار وتوفير فرص العمل. وليس من الحكمة الادعاء باننا نمر بمرحلة بناء واعمار ما خربته الحروب وازمة سكنية وبنى تحتية متهالكة وطرق وجسور متآكلة وخدمات رديئة ومتخلفة بميزانية استثمارية لا تزيد على  4،2% كيف يمكن التوفيق بين الادعاء وما هو مخصص كميزانية استثمارية لعام كامل؟ انه اشبه بالضحك على المغفلين ولكن المغفلين من لا يتداركوا اخطاءهم الماضية او اصرارهم على الاستمرار بالفساد دون ان يعوا ما يحاك لهم والنظر الى نقطة ما في المستقبل، وربما القريب الذي تتحدد فيه مصائرهم كفاسدين وخائنين للامانة والدولة والمجتمع، ناهيك عن مصادرة حقوق الاخرين والتعدي على الممتلكات والسقوط بمستنقع الفساد. 

اضاف كشف بعض ابواب الميزانية المالية للعام 2019 من قبل بعض النواب كالنائبة ماجدة التميمي، خيبة أمل جديدة من حكومة عادل عبد المهدي، التي وعدت باصلاحات شاملة ومحاربة الفساد والابتعاد عن المحاصصة قدر الامكان في ادارة شؤون الدولة ومؤسساتها التي اصابها الشلل من نفوذ التيارات والاحزاب الدينية التي تبحث عن المصالح وعبادة الشخصية، وتكاد تصاب بداء العظمة لتضخم ارصدتها وشاؤوها بفرض ما تريده على الدوائر والمؤسسات الحكومية ضاربة عرض الحائط بالدستور والقوانين وغير آبهة لما تتسبب بها مثل هذه الاعمال الشنيعة من اضرار بالمصالح العامة.

وبغض النظر عن هذه الميزانية المضحكة المبكية لم تحقق حكومة عبدالمهدي انجازات ملموسة في الواقع سواء على مستوى الاستثمار والاعمال او الخدمات او الحد من البطالة او التخفيف من نسب الفقر التي تجاوزت 22 بالمئة من السكان، حسب وزارة التخطيط. وعلى الجانب السياسي بقيت المحاصصة هي المتحكمة وتوسعت معها دائرة الفساد الذي ينخر في الدولة ومؤسساتها.  ولا فائدة من بقائه بمنصبه طالما لا يمكنه تنفيذ برنامجه بالاصلاح الذي وعد به قبل تسنمه لمنصب رئيس الوزراء. اما العوائق التي تقف في طريق تنفيذه لبرنامجه الاصلاحي، فهي الاحزاب والتيارات المتحاصصة للدولة وممتلكاتها والاموال العامة. وتعتبر نفسها فوق القانون والدستور والمحاسبة، ولا احد يجرؤ على فتح ملفات الفساد المكدسة منذ سنوات خوفا من سطوتها وتهديداتها وتدخلها بشؤون القضاء. وتجنبا لاثارة الفاسدين والاحزاب والتيارات المنتمين لها، بقيت هذه الملفات الخطيرة مغلقة، برغم الوعود المتكررة بضرورة محاسبة الفاسدين وايقاف عبثهم بالمصالح والاموال العامة والدولة والمجتمع على مدى خمس دورات انتخابية. 

وازاء هذه الاوضاع غير الطبيعية للدولة ودوائرها ومؤسساتها العامة ، يصعب تصور وجود حلول فورية، تعالج هذه الاوضاع الشاذة التي اوجدتها الاحزاب والتيارات الدينية المتشبثة بالمحاصصة والفساد ، ما لم تسع الى تنقية نفسها من الفاسدين والعمل بجد من اجل المصالح الوطنية العامة ، وليس لاجل المصالح الحزبية والفئوية، وانهاء المحاصصة باختيار الكفاءات الوطنية المتخصصة في الادارات ومؤسسات الدولة. كذلك تنازلها عن الامتيازات المالية غير المستحقة التي حصلت عليها من خلال نظام المحاصصة طوعا وعدم التدخل بشؤون القضاء. وان يتذكروا على الدوام عار الميزانية المالية للعام 2019 التي تشكل الايرادات غير النفطية فيها نسبة لا تتجاوز 5،4 بالمئة والموازنة الاستثمارية 4،2% بينما نفقات الرئاسات الثلاث 1.04 بالمئة. وهذه النسب يصعب استيعاب اهدافها ومراميها مطلقا، ولا يمكن ان تساهم بعملية الاصلاحات المزعومة سواء من قبل حكومة عادل عبد المهدي او الاحزاب والتيارات الحاكمة، التي دائما ما تتنصل من مسؤوليتها من البطالة المتفاقمة وسوء الخدمات ونسب الفقر المرتفعة، وتتهم الحكومة بالتقصير في اداء واجباتها رغم انها مشاركة فيها. 

ومسألة بقاء رئيس الوزراء عادل عبد المهدي بمنصبه حتى انتهاء ولايته ام لا، بسبب اخفاقه بتحقيق الانجازات والاصلاحات التي وعد بها، لا تغير كثيرا، مقابل هذه المعضلات الخطرة، فقد تجاوزت المعقول، بحيث اصبحت ميزانية العراق المالية وابوابها كالعادة، معلقة بصعود وهبوط اسعار النفط، المصدر بشكل رسمي او المهرب منه شمالا وجنوبا ترعاه الاحزاب والتيارات الفاسدة، بعلم او بدون علم وزارة النفط، وشركتها المسؤولة "سومو" او الحكومة. وهذا ما يحصل في الواقع لنفط الاقليم والعراق، الذي تعتمد عليه الميزانية المالية للعام 2019 والاعوام القليلة الماضية التي سبقت العام 2019، فهذه الميزانية مجردة من التفاؤل في المستقبل او مواجهة المعضلات الحقيقية في العراق منذ التغيير الى الان، وسببها الابرز فساد الاحزاب والتيارات الدينية، وعدم الامتثال والالتزام بالقانون والدستور. وبما اننا لا نعلم الكثير من التفاصيل عن الميزانيات المالية السابقة اي ما قبل العام 2019 ، فانها قد تكون مشابهة بابوابها لميزانية العام 2019 او أسوأ، من خلال اعادة انتاج نفس الازمات والمعضلات سنويا على مستوى الخدمات وارتفاع نسب الفقر والبطالة وتراجع المشاريع الاستثمارية وغياب الحد الادنى من العدالة بتوزيع الثروة الوطنية، التي اصبحت ملكا للاحزاب والتيارات الدينية الفاسدة. 


الأحد - 18 اب" اغسطس "2019