أميركا التي لا نحبها!


أميركا التي لا نحبها!

حازم الأمين

أن يجلس المرء في منزله في بيروت ويشاهد عبر التلفزيون طقس تنصيب رئيس جديد لأميركا، فهو لن يستطيع طرد أشباح الحكام في الشرق الأوسط ممن تم تنصيبهم وفق منطق مختلف عن منطق التنصيب الأميركي.

فأميركا لم تكن بالأمس تحتفل برئيس جديد بقدر ما كانت تحتفل بنفسها، هي التي دأبت كل أربع سنوات على انتخاب رئيس جديد. الديمقراطية تقدمت على هموم المحتفلين، على رغم الانتكاسة التي رافقت الانتخابات، لا بل أن المحتفلين أصروا على تقديمها على أي اعتبار آخر بسبب هذه الانتكاسة التي أحدثها الرعاع في مبنى الكابيتول.

والحال أن أشباح حكام الشرق الأوسط سينغصون على المرء الانتعاشة التي تنتابه في لحظة انتصار الديمقراطية هذه. نعم انصرف دونالد ترامب وما زال بشار الأسد في منصبه، انصرف وها هو حليفه محمد بن سلمان يستعد لأن يصير ملكاً، وانصرف رئيس أميركا، وعبد الفتاح السيسي افتتح زمناً مصرياً باسمه لن ينافسه فيه أحد لعقود طويلة. كيف يمكن للمرء من بيروت أن يطرد هذه الأشباح في لحظة احتفال أميركا بالديمقراطية. كيف له أن لا يشعر بالخيبة والعجز، وأن يخلص إلى أن عقوداً طويلة تفصلنا عن مشهد من هذا النوع، وليس بحراً أو محيطاً أو قارة.

لكن هذا الشعور يتكثف ويأخذك إلى مناطق أخرى في وعينا البائس. ففي الأيام التي سبقت التنصيب شهدت بلادنا احتفالاً بالانتكاسة الأميركية، وتوقعات بنهاية الديمقراطية كنموذج لتداول السلطة. والحال أن الوعي الشقي الذي صدرت عنه هذه الغبطة بالرعاع الذين اقتحموا الكابيتول، إنما هو نفسه الذي أسس للاستبداد ولمنطق أن الرئيس يورث ابنه والملك له البلد بمن فيه، وأن تداول السلطة هو فعل من عمل الشيطان.

أميركا التي كانت بالأمس تحتفل بديمقراطيتها بغصة وألم كانا باديان على وجوه الحضور كانت بالأمس ضعيفة وخائفة، ليس لأن "جبروتها" اهتز على ما يطنب قومجيونا، بل لأن الديمقراطية هشة أصلاً وتحتاج إلى مواصلة تصويبها، ولأن أهلها غير منشغلين ببناء عضلات بل ببناء حياة أفضل.

هذا ما يتبادر إليك حين تشرع من بيروت بالتفكير بالمشهد في واشنطن. بيروت هي المكان الذي يتكثف فيه المشرق، بيروت حيث يبسط بشار الأسد نفوذاً، وحيث يقرر بن سلمان وقف تمويل الطائفة السنية، وحيث للولي الفقيه الإيراني نفوذ لا يفوقه نفوذ.

هؤلاء هم الأشباح التي تهوم فوق رأسك أثناء غبطتك الأميركيين على ضعفهم في لحظة نجاحهم في تجاوز الانتكاسة. المحتفلون كانت وجوههم تفيض حباً لأميركا واعتزازاً بقدرتها على التعامل مع العثرة. لم يكونوا في لحظة انتصارٍ على خصم، ولا في لحظة تشفٍ بمشهد مغادرته البيت الأبيض، على رغم أن الاحتقان الذي سبق التنصيب أسس لأمزجة انتقامية.

السلطة هنا تنصهر بوجدان لا يشبهها لجهة أنها صاحبة الحق بممارسة العنف. السلطة تصير الليدي غاغا وجنيفر لوبيز، ويختفي وجه الرئيس المنتخب والرئيس المنصرف. كم يبدو هذا المشهد بعيداً وغير واقعي إذا ما التقطه المرء من الشرق الأوسط. البكاء هنا تستدعيه أسباب أخرى غير تلك دفعت الأميركيين إلى البكاء في ذلك اليوم.

البكاء على عجزنا عن المباشرة بتجربتنا وعلى فشلنا في أن نحتفل بإنجاز صلب وعلى نجاح الأشرار في مواصلة حكمنا. بشار الأسد حكم حتى الآن فترة زمنية تساوي الفترة التي حكم فيها ستة رؤساء أميركيين، وقبله والده حكم سبعة فترات. بن سلمان مرشح لأن يحكم عشرة فترات، والأفق أمام السيسي مفتوح. والغريب والمفجع أن هؤلاء سارعوا لتهنئة أميركا على تجاوزها عثرتها وعلى نجاحها في تداول السلطة. لكن ماذا عنكم يا سادة ويا ملوك؟ متى سنهنىء أنفسنا على تجاوزكم؟

والحال أن أميركا التي لا نحبها، والتي لا تعيش أحسن أيامها، لا نملك تحفظاً واحداً على علاقتها بنفسها وعلى حبها لتجربتها، ونحن إذ نختلف على علاقتنا بها، لم نشعر يوماً بوجوب التفكير بعلاقتنا بأنفسنا انطلاقاً من انسجام أميركا مع نفسها. لا بل أننا آلينا على أنفسنا أن نحتفل بالانتكاسة الأميركية عساها تكون مقدمة لتشريع السوء الذي نحن فيه. "انظروا إلى الفشل هناك"، هذا ما تبادر لقومجيونا أن يقولوه في لحظة اقتحام الكابيتول، ثم عادوا وأشاحوا بوجوههم عن الشاشة بالأمس، فمشهد الأمس عينة عن فشلهم، لكنه للأسف عينة عن فشلنا أيضاً. 

الشرق الاوسط للارسال

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.