إيران: الانتقال من استراتيجية الإنتظار إلى التّصعيد المُتَدّرج


إيران: الانتقال من استراتيجية الإنتظار إلى التّصعيد المُتَدّرج

د. سليم محمد الزعنون

خلال أقل من شهر استهدف 4 هجمات على مصالح نفطية في الخليج العربي، في منتصف شهر مايو تم استهدف 4 ناقلات نفط خارج مقابل سواحل الإمارات، تزامن مع هجوم بطائرات مسيرة على محطتين لضخ النفط في السعودية، وإطلاق صاروخ سقط بالقرب من السفارة الأميركية في بغداد، بالأمس استهداف الحوثين مطار أبها في السعودية بصاروخ كروز، صباح اليوم تم استهداف ناقلة نفط في خليج عُمان، وعلى الأرجح وراء هذه الأحداث ميليشيات موالية لإيران.

يؤشر ذلك إلى وجود تغيير إيران لقواعد اللعبة، فشدّة العقوبات الأمريكية التي تسحق الإقتصاد الإيراني، تدفع طهران للعمل والضغط من أجل إجبار واشنطن على التراجع دون إشعال الحرب، والدخول في معركة عسكرية نتيجتها صفر بالنسبة لها.

جوهر التغيير قائم على الانتقال من استراتيجية الانتظار إلى استراتيجية التصعيد المتدرج.

أولاً: استراتيجية الانتظار.

منذ بداية التوتر بين واشنطن وطهران، وحتى بعد أن دخلت العقوبات النفطية حيز التنفيذ الكامل فضلت طهران استراتيجية الانتظار وتقليص العقوبات وامتصاص الصدمات، حتى إنقضاء ولاية ترامب، ومجيء إدارة جديدة في انتخابات 2020 تكون أكثر مرونة، وحتى موعد الانتخابات راهنت طهران على الأوروبيين لمساعدتها، واستمرار الاعفاءات النفطية لمجموعة من الدول والسماح لها بمواصلة شراء النفط الإيراني، ولكن فشل رهانها على كلا العاملينن، ودخل الاقتصاد الإيراني مرحلة الانهيار، في وقت تتراجع فيه شرعية النظام داخلياً، مع انتشار الاحتجاجات الجماهيرية.

ثانياً: استراتيجية التصعيد المُتّدرج.

أضحت تكلفة الخسائر الإيرانية كبيرة جداً، لدرجة لم تعد تتحمل استمرار العمل وفقاً استراتيجية الانتظار، بما يدفعها لتغير مسارها بالانتقال لاستراتيجية التصعيد البطيئ، بهدف دفع واشنطن لتخفيف حدة العقوبات من خلال استهداف حلفائها، هذه الاستراتيجية قائمة على ثلاث مراحل تنتقل بينهما تدريجياً:

المرحلة الأولى: التهديد بالعودة لتفعيل البرنامج النووي من جديد، وتسريع وتيرة التخصيب.

المرحلة الثانية: استخدام أذرعها المنتشرة في الشرق الأوسط لشن هجمات غير متماثلة من الصعب أن تُنسب بشكل مباشر لها كدولة، بحيث تستهدف حلفاء واشنطن، وتحديداً المصالح النفطية، بهدف خلق هزة في سوق النقط العالمي.

المرحلة الثالثة، إذا لم تتحق انفراجة مع واشنطن، تشن هجمات تستهدف المصالح الأمريكية في المنطقة (الموظفين، والقواعد العسكرية، السفارات).

بدء طهران العمل في استراتيجية التّصعيد المتدرج يعني أن استراتيجية الردع التي اتبعتها واشنطن خلال الأشهر الأخير لم تعد مُجدّية، في هذا السياق من المُحتمل أن تتخذ واشنطن إجراءات جديدة غير العقوبات الاقتصادية تكون مصممة لاحتواء التصعيد وعدم الإنجرار للحرب:

1. هجمات الكترونية، تستهدف المصالح الحيوية لإيران، العسكرية والمدنية.

2. عمليات سرية تستهدف الحرس الثوري، وتنفيذ ضربات جوية وصاروخية محدودة لأصوله العسكرية.

3. تنفيذ عمليات تستهدف أذرع إيران الفاعلة والمحتمل أن تتحرك لتنفيذ هجمات.

4. محاصرة محدودة بهدف الضغط لعناصر القوة الناعمة الإيرانية، المكونة من 4 عناصر رئيسية كلها تعمل في إطار الحرب الناعمة: الأول إذاعة جمهورية ايران الإسلامية والممتدد ومنتشرة في كل دول العالم، الثاني منظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية الإيرانية وتملك عالمياً 72 فرع رسمي، ومئات الفروع غير الرسمية، الثالث جامعة المصطفي الدولية كذراع في الحرب الناعمة وتمتلك 60 فرع على مستوى العالم، الرابع المؤسسات الخيرية المنتشرة دولياً.

ومن غير المتوقع أن يؤدي هذا النوع من الهجمات لحرب واسعة، لسببين:

الأول، التجربة التاريخية تؤشر إلى أن إسرائيل وجهت ضربات متتالية لإيران في سوريا دون أن يؤدي ذلك لحرب.

الثاني، النظام الإيراني ليس لديه مصلحة في دخول حرب مع واشنطن في ظل اختلال موازين القوى.


مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية