التوتّرات الأمريكية الإيرانية بإمكانها تقويض السلام الهشّ في العراق


التوتّرات الأمريكية الإيرانية بإمكانها تقويض السلام الهشّ في العراق

رانج علاء الدين

من شأن صراع بين الولايات المتحدة وإيران على الأراضي العراقية أن يؤدّي في حال اندلاعه إلى تقويض توازن سياسي دقيق برز منذ انتخابات العام الماضي ومنذ الهزيمة الميدانية لتنظيم الدول الإسلامية. ويأتي توقيت الولايات المتحدة في أسوأ الأوقات. فما زال التوافق على تشاطر السلطة ضعيفاً وهشّاً لدرجة أنّ تقويضاً مهمّاً يمكنه أن يؤدّي إلى انهيار سياسي في بغداد.

وسيؤّدي انهيار كهذا بشكل شبه أكيد إلى اصطدامات طاحنة في بيئة سياسية لا تزال تطغى عليها سياسات صفرية يتعارك فيها الأفرقاء للصمود والربحُ لأحد الفرقاء فيها خسارةٌ لفريق آخر، أو يمكن القول إنّها بيئة حرب أهلية حتّى. وقد بدأت معالم الأمور تتبلور، إذ سبق أن أطلق رجلُ الدين النافذ مقتدى الصدر، الذي يقود ميليشيا خاضت معارك مريرة مع وكلاء إيران، تحذيراً واضحاً مفاده أنّ أيّ محاولة لجرّ العراق إلى صراع أمريكي إيراني هو أشبه بإعلان الحرب على العراقيين كلّهم.

وينبغي على الولايات المتحدة أن تفهم ضخامة الأزمة التي يمكن أن يواجهها العراق في حال أدّى اصطدام مع إيران إلى إقحام وكلاء إيران. فقد يفضي ذلك إلى سلسلة من التداعيات غير المتعمّدة وتأثيرات من الدرجة الثانية قد تؤدّي إلى سفك كبير للدماء في الداخل وبروز تنظيم الدولة الإسلامية من جديد وإعادة إحياء الصراع الطائفي. وسوف يولّد اضطراب عنيف كهذا بيئةً هي بالضبط البيئة التي ينمو فيها وكلاء إيران.

.

الإرث الأمريكي في العراق

ليست هذه بدروس جديدة. شكّلت الولايات المتحدة منذ العام 2011 العدو الأسوأ لنفسها. فقد وقفت وقوف المتفرّج إزاء النفوذ الإيراني الموسّع في العراق منذ انسحاب جنودها في العام 2011 حينما تركت إدارة أوباما فراغاً سياسياً وأمنياً ملأته إيران على الفور. وعقب الانسحاب، تجيشّت المجموعات الميليشياوية من جديد وانضمّت إلى أحزاب مثل حزب الدعوة الإسلامية الحاكم آنذاك الذي منحها موارد الدولة ومكانة وشرعية أكبر.

وتحت الأنظار الأمريكية، همّش رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي (المدعوم من واشنطن) شخصيات عربية سنّية قيادية وقمعهم، وكان الكثير منهم معارضين شديدين للتدخّل الإيراني في العراق. كذلك واجه الجيش العراقي سوء إدارة وفساداً، مما أدّى إلى انهياره عندما استولى تنظيم الدولة الإسلامية على الموصل في العام 2014.

وشكّل بروز تنظيم الدولة الإسلامية في العام 2014 الحدث الأبرز في تاريخ الميليشيات الشيعية في العراق، إذ ملأت الفراغ الأمني الذي خلّفه انهيار الجيش. فكان لا بدّ من أن تتدّخل الولايات المتحدة في العراق للقضاء على تنظيم إرهابي وحشي، وبات لواشنطن وطهران عدوّ مشترك. بيد أنّ الموارد والأسلحة الأمريكية غدت في نهاية المطاف في أيدي المجموعات المتحالفة مع إيران، وعلى الرغم من مساهمة الولايات المتحدة الهائلة في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، لم تضع سياسات لاحتواء بروز هذه المجموعات على مدى السنوات الخمسة الماضية.

ووجدت الولايات المتحدة وإيران نفسيهما في الجانب عينه مرّة أخرى في سبتمبر 2017. وكان الاصطفاف هذه المرّة ضدّ الأكراد، الذين لطالما كانوا حلفاء الولايات المتحدة. إذ عارض كلا البلدين استفتاء الاستقلال الكردي، لكنّ إيران كانت الدولة المستفيدة من التصدّعات المحلية والإقليمية الناتجة عن ذلك، فاستغلّت التوتّرات بين العاصمة الكردية إربيل وبغداد لتخلق في نهاية المطاف بيئة ما بعد الاستفتاء تؤدّي إلى توسيع نفوذها. في المقابل، لم تحاول الولايات المتحدة أن تتوصّل إلى تسوية بين إربيل وبغداد حتّى، وأصبحت مجرّد مراقب للسياسات التي تلت، لا بل أعلنت بتهوّر أنها لن تُنجد الأكراد في حال أقدمت جهات فاعلة معادية على مهاجمة البيشمركة (أي أنّها فعلياً أعطت ضوءاً أخضر لوكلاء إيران).

وبالفعل، بعد شهر من الزمن، نظّمت إيران هجوماً عسكرياً على كركوك، وهي عملية استُخدِمت في خلالها دبابات أبرامز الأمريكية ضدّ البيشمركة. وكانت كردستان في ما مضى جبهة حاسمة لاحتواء إيران، بيد أنّ القيادة الكردية تركّز الآن على بناء علاقات بنّاءة مع إيران، فهي جارة قوية فهِم الأكراد أنّ عواقب إغضابها وخيمة.

ما ينبغي على الولايات المتحدة فعله

تبيّن هذه الأحداث أنّ احتواء إيران يتطلّب تقديراً للحظات العَرَضية التي يمكنها مجتمعة أم فردية أن ترجّح كفّة ميزان القوى لصالح طهران. ولهو من الضروري التعلّم من هذه الأخطاء لتأسيس أرضية تمنح واشنطن أفضلية تنافسية على إيران. على الولايات المتحدة أن تخطّط على المدى الطويل.

ففي وسع استراتيجية سياسية أن تعيد تجييش حلفاء الولايات المتحدة وتساعد على تصحيح أخطاء الماضي. وسيشكّل ذلك بدون شكّ استراتيجية صعبة، ولا سيما في مراحلها التأسيسية، لأنّ أصدقاء واشنطن يعانون الكثير من الوهن والضعف والضرر، وما عادوا يثقون بالنوايا الأمريكية. لذا تنبغي استعادة هذه الثقة، لأنّ أولئك الأصدقاء ما زال بإمكانهم أن يكونوا واجهة أمريكية حاسمة لكنّهم سيكونون أيضاً الضحايا الأوائل الذين سيسقطون في حال نشوب صراع.

وقد دفعت سياسة أمريكية أكثر حربية بإيران ووكلائها على الحذر وقد أجبرت تلك الجهات الفاعلة على التحدّث مؤخراً بلهجة أكثر اعتدالاً حتّى. ويجدر أن ينطوي هدف واشنطن على محورين: خلقُ بيئة سياسية مؤاتية تقمع التصرفات المؤذية التي يقوم بها وكلاء إيران وتمكينُ المجموعات المتحالفة مع الولايات المتحدة وتأمينُ شبكة أمان لها.

وينبغي على الولايات المتحدة أولاً تعزيز رئيس الوزراء عادل عبد المهدي وتقويته ومنع أخصامه من محاولة العمل على سقوطه. ويتطلّب ذلك لجم رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي وحشد تحالف سياسي بدعم من البريطانيين والأوروبيين لمنعه ومنع حلفائه من الاستمرار بتقويض عبد المهدي.

وكان العبادي محظياً في واشنطن ولندن اللتين دعمتاه بقوّة، وأتى ذلك بشدّة على حساب الاستقرار والفصائل العراقية المتحالفة تقليدياً مع الغرب. ومع أنّ بعضهم في واشنطن وأماكن أخرى ربّما ما زال يؤيّد عودته إلى سدّة الحكم، سيكون وقع ذلك كارثياً على العراق والولايات المتحدة. فقد حلّ العبادي في مرتبة ثالثة مزرية في انتخابات العام 2018، تاركاً خلفه إرثاً عاطلاً بسبب حوكمته الرديئة وانعدام الثقة الهائل بالحكومة التي تلت.

ويلبّي رئيس الوزراء عبد المهدي المصالح الشرعية للمجتمعات التي كانت مهمّشة في الماضي. وفي وسع دور أمريكي استباقي وتدخّلي على المستوى السياسي، مدعوم بتهديد التدخّل العسكري الأمريكي، أن يساعد على رسم مسار نحو مناخ سياسي في بغداد يفضي إلى توازن قوى سليم داخلياً، وهو توازن يسمح للحكومة العراقية بموازنة علاقاتها مع الولايات المتحدة ويسمح بإنشاء مؤسّسات قابلة للاستمرار والعمل.

وعلى الولايات المتحدة أيضاً تطوير سياسة مستدامة لتلك الحالات التي يكون فيها حلفاؤها أضعف عسكرياً أم ضعفاء في وجه خصوم متفوّقين إلى حدّ بعيد، لكن تكون فيها غير راغبة أم غير قادرة على منح تلك الجهات الفاعلة أسلحةً ثقيلة للدفاع عن نفسها. وفي حالات كتلك التي برزت في كركوك في العام 2017، على الولايات المتحدة أن ترسم خطوطاً حمراء وتطبّقها للحرص على ألا يميل ميزان القوى لصالح إيران. ويعوّل وكلاء إيران أيضاً على فكّ الولايات المتحدة ارتباطها في مرحلة من المراحل. فهل ستبقى الولايات المتحدة أم سترحل؟ من شأن زيادة أعداد الجنود الراهنة أو التوضيح للأصدقاء والأعداء على حدّ سواء أنّ الولايات المتحدة باقية لوقت طويل أن يترك أثراً كبيراً في طمأنة حلفاء الولايات المتحدة وإبقاء محاولات إيران لتعزيز نفوذها في العراق تحت السيطرة.

وبإمكان الولايات المتحدة أن تختار دور المقوّض فتضعضع المجموعات المتحالفة مع إيران وتغرق العراق في الاضطرابات والصراع المسلّح في خضمّ ذلك. ولكن ما غاية ذلك؟ النتيجة الصافية قمعُ المجموعات التي ترغب في أن يتمّ احتواء إيران أو في المقابل الوصول إلى توازن قوى سليم في بلد ينحو بشكل متزايد إلى المدار الإيراني. وهؤلاء هم النخبة السياسية والحركات الاجتماعية وفاعلو المجتمع المدني الذين ينشدون تأسيس بيئة تقمع المساحة للمجموعات الميليشياوية والذين استثمروا في إنشاء بيئة كهذه.


باحث في مركز بروكنجز