"الحاكم في متاهته" .. الناس وحدهم من يدفع فاتورة افلاس لبنان


"الحاكم في متاهته" .. الناس وحدهم من يدفع فاتورة افلاس لبنان

حازم الأمين

في الوقت الذي من المفترض فيه أن تتهاوى حكومات غربية فشلت في التصدي لفيروس كورونا، تحول الوباء في بلادنا إلى فرصة نجاة لحكومات الفشل والفساد. لبنان نموذج سافر لهذه المعادلة البائسة. 

الحكومة التي استعان بها النظام لإدارة عملية النهب الكبرى، والتي تشكلت في أعقاب ثورة 17 تشرين (أكتوبر)، باشرت عملية تشريع لواقعة السطو على مدخرات الناس وعلى الأموال العامة، ستعيد عبرها تدوير الخسائر التي بلغت نحو 83 مليار دولار، بحيث يتحمل الناس عبئها الرئيسي، فيما أركان الفساد مقيمون في قصورهم من دون أن يمس ما تولوا نهبه طوال السنوات الفائتة.

يبدي الرؤساء تبرما من قرارات حاكم مصرف لبنان، من دون أن يقدموا على خطوة واحدة لضبط جموحه. هم شركاؤه في المهمة، وعليه أن يتحمل تبرهم طالما أنه يقتصر على مجرد تصريحات عابرة، وتسريبات يمكنهم نفيها. رئيس الحكومة يقول إنه غير راضٍ عن قرارات المصرف، ورئيس البرلمان يقول إنه أطاح بالـ"هيركات". عدم الرضا لا يعني العرقلة، والـ"هيركات" بدأت مفاعيله واقعيا، والرؤساء صادقون وإن كذبوا.

تعاميم متعاقبة لمصرف لبنان تفضي كلها إلى حقيقة واحدة مفادها أن الناس وحدهم من سيدفع فاتورة الإفلاس

كان المفترض أن يتولى الشارع ضبط جموح السلطة، أو على الأقل الحد من وقاحته، إلى أن جاء الفيروس فحرر النظام من هذا العبء. تعاميم متعاقبة لمصرف لبنان تفضي كلها إلى حقيقة واحدة مفادها أن الناس وحدهم من سيدفع فاتورة الإفلاس.

السلطة ابتعدت خطوة عن هذه الإجراءات، وهي إذ أفسحت في المجال أمام حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ليتولى المهمة، راحت تتحفظ على إجراءاته وكأنه حاكم مصرف في دولة جارة. صار هو السلطة، وأقام أركان النظام في الظل. لا بأس فالرجل خارج حسابات الشارع، وهو لا يطمح بأكثر من حصة في عائدات السطو، وأن يكون واجهة حفلة النهب الكبرى، فذلك لن ينعكس على طموحاته التي لا يبدو أنها تتجاوز أرصدته.

اليوم يجري سبق بين الفيروس والسلطة. احتمال استيعابه قبل أن ينجز النظام مهمته سيرتد على الخطى المتسارعة نحو تشريع الهاوية. سيلتقط الشارع أنفاسه، وسيعاود الانقضاض على أهل النظام. المهمة إذا تتطلب تسريع الخطى. الهدف الأول تمرير الـ"هيركات"، والأخير يجب أن يُمرر بصيغ التفافية، ذاك أن الرؤساء لا يتحملون "هيركات" واضحا وصريحا. الحاكم وعدهم بصيغة مُراوغة تعينهم على تمريره. لكن يجب الإسراع في إنجاز المهمة قبل أن يمضي زمن كورونا. الدولار اليوم على أعتاب الـ3500 ليرة، وهذه فرصة لدولة القراصنة، ولديهم قرصان متطوع للمهمة. الـ"هيركات" هو الفارق بين السعر الواقعي للدولار والسعر النظري الذي يحدده مصرف لبنان، وتتراوح قيمة هذا الفارق بين 30 و50 في المئة من قيمة العملة.

في مقابل هذه الحقيقة لا يبدو أن الشارع سيستكين لهذه السلطة

المصارف تمارس وقاحة موازية. لا تلتزم بتعاميم المصرف المركزي التي تلحظ بعض الحقوق للمودعين بحجة الإقفال الناجم عن الوباء، في حين تفتح أبوابها الخلفية لشركائها. حين تتوجه إلى المصرف لكي تسحب من حسابك، ستجد أبوابه مقفلة، لكنك ستتلقى رسالة عبر هاتفك تخبرك بأن المصرف سحب من نفس الحساب وفي نفس اليوم الذي قصدته فيه ووجدته مقفلا، قيمة فاتورة الهاتف أو قسط السيارة أو الـ"كريدت كارت". وقاحة لا توازيها وقاحة، وكذب لا يحترم ذكاءك.

لكن هذه الوقاحة باشرت اختبار مجالات جديدة كخنق الحريات العامة بحجة الفيروس أيضا، وهي تفعل ذلك متسلحة بغطاء سياسي وصحي وإعلامي. حالة التعبئة العامة التي أعلنت بفعل تفشي الوباء تتحول شيئا فشيئا إلى قانون طوارئ عامة. رئيس الحكومة يحذر من انعكاس معارضته على الأمن الصحي والغذائي! إنه وعي "الحط من عزيمة الأمة"، تلك التهمة البعثية التي ما زالت ترقد على صدور المجتمعات. وعلى وقع هذا المزاج تضاعف القوى الأمنية مهامها في تعقب الناشطين وفي توقيف المعترضين، وفي تحويل قرار التعبئة العامة إلى قانون طوارئ.

إنها مؤشرات الهاوية وقد قطع لبنان أشواطا كبيرة نحوها. وفي مقابل هذه الحقيقة لا يبدو أن الشارع سيستكين لهذه السلطة، والجوع لن يكون وحده دافعا نحو تجدد المواجهة، ذاك أن السرقة المعلنة جرت تحت أنظار كل الناس، وودائع مرتكبيها في المصارف الخارجية بدأت تصلنا أرقامها على نحو مذهل، ومؤسسات الاستقصاء الدولية باشرت تصويبها نحو "الحقائق اللبنانية" في الداخل وفي الخارج، وسيكون في متناول الناس في وقت قريب جدا مزيدا منها. يجري ذلك في وقت يقترب فيه الجوع من البيوت، ولن تكون القصور في منأى عن غضب الجائعين.

كاتب لبناني

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.