الصراع الشيعي - الشيعي وازمات الحكومة القادمة


الصراع الشيعي - الشيعي وازمات الحكومة القادمة


قيس العذاري


بدأت تتضح شيئا فشيئا الصراعات بين الاحزاب والتيارات الشيعية كما توقع كثيرون، بدءا من الصراع على منصب رئاسة الوزراء الى المناصب الادنى، الى جانب سعي كل من ائتلافي الفتح وسائرون لتشكيل الكتلة البرلمانية الاكبر ومهمة تشكيل الحكومة الجديدة، وبدأت صراعات من نوع اخر اي بين الاحزاب والتيارات المنضوية فيها. فقد ترشح اكثر من واحد لمنصب رئيس الوزراء من قائمة ائتلافية واحدة كما هو الحال بقائمة النصر، ودخل فالح الفياض مزاد الترشيح منافسا لرئيس القائمة حيدر العبادي.
نعتبر ان حق التنافس حقا طبيعيا سواء بين الاحزاب او الائتلافات السياسية التي تسعى لتحقيق اكبر عدد ممكن من اعضاء البرلمان الجدد ليتسنى لها تشكيل الحكومة القادمة، لكن الاوضاع بدأت تخرج من دائرة التنافس الى التهديد والوعيد. وافشال الحكومة القادمة قبل تشكيلها، فقد توعد مسؤولون في قائمة الفتح بافشال الحكومة القادمة في حال عدم تحقيقها للنصاب تحت قبة البرلمان! وهذه سابقة خطرة تمنع الاحزاب من التعاون لتوفير الخدمات للمواطنين، ليس على مستقبل العمل الحزبي والسياسي في العراق بل وافشال العملية السياسية التي مضى عليها 15 عاما دون ان تحقق للمواطن اية منجزات تقنعه باهميتها او ضرورتها.
وجاء صراع الاحزاب الشيعية على المناصب والحصص، ليؤكد ان هذه الاحزاب تسعى الى مصالحها وليس الى مصالح المواطنين، الذين تزداد معاناتهم يوما بعد يوم، بسبب غياب الخدمات وتوفير الكهرباء والمياه النظيفة وغيرها، رغم استتباب الامن في معظم انحاء العراق الى حد ما، بعد هزيمة داعش وتراجع نشاطاته الاجرامية الى الحد الادنى منذ تحرير مناطق شمال وغرب العراق والسيطرة على الحدود العرقية السورية، التي كانت احد اهم ملاذاته المهمة في التخطيط وتنفيذ عملياته الاجرامية في العراق وسوريا.
هكذا انتهى تحالف النصر الذي بدا اكثر تماسكا من تحالفات غيره منقسما بين شخصيتين اساسيتين بنى التحالف كيانه على شعبيتهما؛ الاول كرئيس للوزراء استطاع القضاء على داعش بقترة زمنية قياسية، والثاني كرئيس للحشد الشعبي الذي لعب دورا مهما بالقضاء على داعش بالتنسيق مع القوات الامنية العراقية. وما زال يواصل مهماته بملاحقة خلاياه النائمة والناشطة في بعض مناطق العراق في الموصل وصلاح الدين والانبار. والمثل يقول ما خفي اعظم.
التحالفات الاخرى ولا شك تعاني نفس المشكلة والانقسامات. وكل يوم تنقلب وتتخذ موقفا مناقضا لموقفها في اليوم السابق، وهذا ما ينطبق على ما سمي بائتلاف المحور الذي يمثل السنة بطابعه العام. ومشكلته تتركز كذلك على عدم الاتفاق على مرشح واحد لرئاسة البرلمان، ما تسبب بانقسامات داخل التحالف، ادت الى بروز جناحين او اكثر؛ الاول مؤيدا لمحمد الحلبوسي باعتباره المرشح الوحيد لاحزاب المحور، والثاني يتزعمه النجيفي باعتباره المرشح الوحيد من قبل اغلبية احزاب المحور، اضافة الى بروز مرشح ثالث وهو التميمي الذي اعلن ان غالبية الاحزاب السنية تؤيد ترشيحه لرئاسة البرلمان، لما له من خبرة سياسية وبرلمانية سابقة.
كل ذلك ممكن ان يكون مفهوما. ويمكن اعتباره تنافسا طبيعيا ولكن اجواء هذه التنافس تشير الى غير ذلك. فقد بدأنا بالانحدار نتيجة صراعات هذه الاحزاب والقوائم على مغانم المناصب والسلطة، وليس على تحقيق مطالب المحتجين والمتظاهرين المستمرة لحد الان في مدن وسط وجنوب العراق، خاصة البصرة التي عانت كثيرا من اهمال الحكومات السابقة، وعدم فعالية حكومتها المحلية ومجلسها المحلي الذي يعاني هو الاخر ما يمكن تسميته صراع النفوذ، اطرافه نفس الاحزاب والتيارات المشاركة في الحكومة.
ومن المفجع ان تنقل وسائل الاعلام المحلية والعالمية صور احواض المياه الرئيسية المغذية لاحياء البصرة، مليئة بنبات الشامبلون والاعشاب التي تنمو وتتكاثر على المياه، تسد الدواليب ومضخات المياه، في حين ان تنظيفها قد لا يتجاوز الساعة او الساعتين ولنقل نهارا واحدا، وليست بحاجة الى استقدام خبراء ومهندسين وانما عمال نظافة لانها تملأ احواض المياه والمضخات من الخارج. لدرجة تؤثر على لون الماء وتصبغه وبالوانها لكثرتها وانتشارها بداخل وعلى جدران الاحواض المائية ومضخات المياه.ذلك مثال واحد على اهمال الخدمات التي تعد من واجبات الحكومات المحلية والحكومة المركزية في بغداد، بينما الصراع قائم بين الاحزاب والائتلافات لدرجة العداء السافر بينها، بعد ان عجزت عن اخفائه او مواراته على الحصص والمناصب في الحكومة القادمة. ولم يكن ذلك ليحدث لولا ارتباط هؤلاء الساسة بدول اقليمية ودولية؛ فمن المعروف ان هذه المراكز تسعى لتحقيق مصالحها ونفوذها، ولا تهمها مصلحة العراق والعراقيين لا من قريب ولا بعيد، بقدر استفادتها منه ماليا وتجاريا.
وبذلك فان تصريحات نفس هؤلاء الساسة لا قيمة لها عن تحذير القوى الاقليمية والدولية من التدخل في شؤون العراق او في تشكيل الحكومة القادمة، لانهم جميعا ضالعون بتنفيذ اجندات هذه الدول. فلم نسمع يوما ان احد الاحزاب المرتبطة بايران اتخذت موقفا انسانيا مؤيدا للاحتجاجات الشعبية للايرانيين على تردي الاوضاع الاقتصادية والبطالة والقمع السافر للحريات في ايران. ولم نقرأ تصريحا او احتجاجا من مؤيدي المعسكر الامريكي يحتج على سياساته التي اوصلت العراق الى ما وصل اليه من تشرذم وصراعات، جميعها تدور حول المكاسب والمناصب. ولا تاخذ بنظر الاعتبار الحاجات الاساسية للمواطنين. والتصريحات التي تصدر من هنا وهناك حول ضرورة عدم التدخل بالشأن العراقي من هذه الاحزاب.. بينما يكذبها الواقع والاحداث التي تجري يوميا سواء على صعيد المواقف السياسية والمبدئية، تجاه سياسات الدول الاقليمية، او الدولية التي تكون امريكا طرفا اساسيا فيها.
وكذلك على المستوى الداخلي او المحلي، ولاختبار هذه الحقائق قطعت ايران امدادات الكهرباء عن جنوب العراق، بمجرد تأخر الحكومة العراقية عن دفع مستحقاتها المالية المتأخرة دون اعتبار للاوضاع الانسانية التي قد يتسبب بها مثل هذا القرار. وسرعان ما عادت ايران لتزويد بعض مناطق جنوب العراق بمجرد ان سدد العراق مستحقاتها المالية. ونفس الشيء ينطبق على امريكا، التي اوجد احتلالها للعراق سوقا جديدا للوظائف وتوريد السلاح باهظ الثمن للعراق، دون الاهتمام بالمساعدة بتوفير الخدمات او اعادة البناء والاعمار التي خلفتها الحرب على الارهاب التي تكفل بتغطيتها العراق، رغم ان هذه التنظيمات الارهابية يمكنها ان تصل الى امريكا واوربا ودول الخليج جميعا، لولا العراق وما قدمه من تضحيات لا تقدر بثمن.
كان على قادة الحشد الشعبي ان لا يغرقوا بالسياسة لانها ستشوه تلك الصورة التي بنيت بالتضحيات والماثر لانقاذ العراق من جرائم الارهاب والتطرف، وانقذت جميع دول المنطقة من ارهابه وجرائمه طيلة فترة احتلاله لمناطق شمال وغرب العرق. ويبقوا على أهبة الاستعداد مع القوى الامنية العراقية للتصدي لاي اعتداء على العراق وكيانه ومستقبله، لكن مع الاسف مغريات السلطة والمال دفعت هؤلاء القادة الى مستنقع السياسة والى المحاور الاقليمية والبحث عن المكاسب الوقتية الزائلة، وبذلك ساهموا ويساهمون بانفسهم بتشويه تلك الصورة لابطال الحشد وما قدموه من تضحيات حاضرا ومستقبلا. وبذلك اوجدوا الاحزاب الشيعية وقادة الحشد الشعبي، انفسهم ما يغذي الصراعات الشيعية الشيعية التي ستعقد الوضع اكثر واكثر وانهاء العملية السياسية الفاشلة التي استمرت لـ15 عاما، دون ان تلوح منها اية فوائد سواء على الصعيد الوطني او مستقبل العراق السياسي، الذي يقف على حافة هاوية سحيقة من الصراعات العقيمة المضرة بالجميع.
ودخول قادة الحشد الشعبي في العمل السياسي والحزبي، والتنافس على تشكيل الحكومة، رغم انه من الحقوق المشروعة، كفيل بتغيير وتحريف انجازاتهم، وما قدمه الحشد من تضحيات في سحق الارهاب وتخليص العراق من جرائمه ضد المدنيين، اذا فشلوا في تحقيق مطالب المحتجين على سوء الخدمات في محافظات الوسط والجنوب، واعادة بناء المناطق المحررة شمال وغرب العراق او فشلوا بتحقيق وانجاز ما ينتظره المواطن من الحكومة القادمة، بعد فشل الحكومات السابقة بتلبية مطالبه المشروعة.

1.9.2018

https://drive.google.com/file/d/15MV_eYPPSQckd0Sr0X0CEIV97Oj9VfVz/view