العراق... نظام 2003 يترنح


العراق... نظام 2003 يترنح

مصطفى فحص

كشفت انتفاضة الشعب العراقي العفوية عن أزمة عميقة يعيشها النظام السياسي العراقي الذي أُسس سنة 2003 ولم يَعد قادرا على إعادة إنتاج نفسه وتقديم طبقة سياسية جديدة تملك قدرة الحفاظ على مواقعها في السلطة وحماية مكتسباتها.

يُعتبر رئيس الوزراء العراقي الدكتور عادل عبد المهدي آخر الوجوه التوافقية التي تمثل ما تبقى من هذا النظام، لذلك ليس من السهل عليه تقديم استقالته لأن ذلك يعني انتهاء مرحلة سياسية كاملة، الأمر الذي يُعرض النظام برمته لأزمة مفتوحة لا إمكانية الخروج منها.

لهذا السبب لجأت أركان النظام الأساسية إلى استخدام العنف المُفرط من أجل فرض حل أمني لا بديل عنه، من وجهة نظرها، حتى تُعيد تثبيت سيطرتها وهيبتها التي كسرتها التظاهرات، بعدما رفعت سقف مطالبها وجعلت إسقاط النظام في سُلّم أولوياتها، كرد فعل طبيعي على 16 سنة من الفساد والفشل في بناء الدولة وسوء الإدارة.

السلطة متمسكة بخيار القمع، فيما تتسع التظاهرات ويتماسك الشارع

الأزمة باتت أعقد من أن تمنح الحكومة راتبا شهريا للأسر المعدومة. في هذا الوقت، تقترب الانتفاضة الشعبية من بلورة شخصيتها السياسية وتحديد مطالبها، ووضع الجميع أمام مسؤولياتهم.

ففي شوارع بغداد وبقية المدن المنتفضة تتعدد مطالب المحتجين وتختلف لكنها تُجمع على فكرة واحدة هي التغيير. والتغيير هنا أبعد من إسقاط حكومة أو تعديلها، أو محاسبة فاسد هنا ومُقصّر هناك، فقد بات التغيير المطلوب الآن أشبه بانقلاب كامل على كافة العناوين والتحالفات والانتماءات التي رُفعت في المرحلة السابقة، ما جعل المتظاهرين في مواجهة دموية مع مشروع عقائدي منظم ومسلح، يتحكم بمقدرات الدولة، ويملك كل المسوغات من أجل الدفاع عن مصالحه وانتماءاته الداخلية والخارجية.

يفتح هذا الواقع الباب على مصراعيه أمام مواجهة دموية تكمن خطورتها أنها تجري ضمن بيئة دينية واجتماعية واحدة، ما قد يؤدي إلى عنف أهليّ أقرب إلى حرب أهلية داخلية. فالمناطق المنتفضة تنتمي بأغلبها إلى مكوّن واحد. فالمتظاهرون في أغلبهم من أبناء الوسط والجنوب، ويتعرضون لعملية قمع من جهات تنتمي إلى نفس العقيدة والناحية، وهو ما يمكن وصفه بأن القاتل والمقتول من بيئة واحدة.

لذلك، يمكننا المجازفة واعتبار أن ما يحدث هو انتفاضة شيعية ضد السلطة الشيعية التي تحكم العراق منذ 2003، وضد كل ما تمثله وترتبط به، فقد تجاوز المتظاهرون خطاب السلطة وأحزابها الأيديولوجي، ولم يعد ممكنا استخدام فزاعة النظام السابق خصوصا أن هذا الجيل عاش في ظل حكم أحزاب الإسلام السياسي الشيعي التي تمارس بعض أطرافها قمعا لا يقل قسوة عن النظام السابق.

على هذا الأساس، يرى المتظاهرون أن هذه الأحزاب، وراعيها الإقليمي، هي السبب المباشر لمظلوميتهم، ما دفعهم إلى التحرك باستقلالية كاملة دون الخضوع لشروط بعض الأحزاب أو التيارات التي كانت ترفع شعاراتها الشعبوية لتحقيق مكاسب حزبية خاصة.

فمما لا شك فيه أن التظاهرات كسرت احتكار التيار الصدري لفكرة التظاهرات الكبيرة، ورفعت شعارات متقدمة على ما ترفعه التيارات المعارضة الرسمية مثل (الحكمة وتحالف النصر)، كما طالبت باستعادة سيادة الدولة ووقف التدخلات الخارجية في شؤونها.

يأتي هذا التحول ضمن سياقات اجتماعية أعادت تعريف الهوية الوطنية الجامعة، ولجأت إلى خيار الدولة، وأعلنت تمسكها بمؤسسات الدولة العسكرية خصوصا الجيش بوجه قوى ما دون الدولة وسلاحها غير الشرعي، الذي يستخدم الآن في قمعها، وهي تعلم أن مهمة هذا السلاح الدفاع عن نظام 2003، وقد عبرت الشعارات التي رفعت عن هذا الأمر بوضوح.

يرى المتظاهرون أن أحزاب الإسلام السياسي الشيعي، وراعيها الإقليمي، هي السبب المباشر لمظلوميتهم

لا تملك السلطة أدواتا للحل. هي متمسكة بخيار القمع، فيما تتسع التظاهرات ويتماسك الشارع الذي يتمتع بإرادة وشرعية فعلية، بينما هناك أطراف كثيرة تراقب عن كثب خصوصا العالقة ما بين الحفاظ على مكاسبها من السلطة وعلاقتها بجمهورها الذي لم ينتظر قرارا حزبيا للنزول إلى الشارع، وتتعاطى بإربتاك كامل، حيث تواجه صعوبة في مصادرة المظاهرات، ما يزيد من حذرها منها.

يقاوم نظام 2003. يرفض الاستسلام. هو يمثل امتدادا لنظام إقليمي، يخوض صراع نفوذ جيوسياسي، يستخدم العراق كحيز جغرافي في معاركه للدفاع عن مصالح أمنه القومي، ويعيش هذا النظام الإقليمي أزمة سياسية واقتصادية حقيقية. لا يبدو أن هذا النظام الإقليمي، بمنظومته الأيديولوجية وامتداداته السياسية دون الدولتية، سيتردد في تكرار التجربة السورية في العراق.

هذا بات واضحا من خلال التصدي العنيف للمتظاهرين، والدعم السياسي للحكومة دون مراعاة الحساسيات الوطنية العراقية ونزعتها الاستقلالية، التي ظهرت من خلال هتافات المتظاهرين، ورُسمت أولى ملامحها في محافظة "ذي قار" عندما فتح المتظاهرون الطريق أمام رتل قوات مكافحة الإرهاب على هتاف "عبدالوهاب الساعدي" الذي باتت قضيته، كما قال الكاتب اللبناني خيرالله خيرالله، أبعد من قضية إقصاء ضابط.

الحرة