المهمة الملحة للعراق الان حماية الاجواء العراقية من الاختراقات


المهمة الملحة للعراق الان حماية الاجواء العراقية من الاختراقات 

قيس العذاري

تعيد القوات الدولية في تصريحاتها في عدة مناسبات وتؤكد على عودة "داعش" الى نشاطه في العراق ، ما معنى عودة "داعش" وكيف تعود؟ فقد فقدت جميع المناطق في شمال وغرب العراق .وليس لها ملاذات امنة كما كان لها في السابق في العراق وسوريا. والنسبة الاكبر من قيادته تم قتلهم وتصفيتهم ، وبعضهم في الاسر سواء في العراق او سوريا . ويرجع البعض الحاح القوات الدولية على وجود "داعش" وعودته الى عدم رغبة القوات الامريكية مغادرة العراق ناهيك عن سوريا ، مع ان العراق يرتبط مع امريكا باتفاقية التعاون الاستراتيجي وهذا يعني ان وجود القوات الامريكية في العراق غير مرتبط بـ"داعش" او باقي التنظيمات المتطرفة الناشطة بدول المنطقة .

قوات التحالف الدولي وضمنها القوات الامريكية لم تشارك بقوات برية في تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة "داعش" منذ العام 2014 لغاية تحريرها من قبل الجيش وباقي القوات الامنية بمشاركة الحشد الشعبي في 2017 وجميع هذه المناطق تحت سيطرة القوات الامنية العراقية ولا توجد مناطق خاضعة لداعش ، يمكنه ان يعاود نشاطه الاجرامي فيها ، وما زالت القوات الامنية والحشد يواصلان تطهير المناطق الصحراوية والقرى والمدن النائية من بقاياه او بقايا خلاياه الناشطة ، التي تقوم ببعض الاعمال الاجرامية هنا وهناك موجهة ضد المدنيين العزل ، وتشير الى انه يلفظ انفاسه الاخيرة وما هذه النشاطات البائسة ضد المدنيين سوى دليل على انهياره وعدم قدرته على التحرك بامان وحرية كما كان يفعل سابقا .

اتفاقية التعاون الاستراتيجي مع امريكا وبقاء قواتها في العراق غير مرتبطة بنشاط هذا التنظيم الاجرامي ، القوات الامريكية وفق اتفاقية التعاون الاستراتيجي مسؤولة عن تدريب القوات العراقية ، والاسناد اللوجستي الذي يتطلب مهارات خاصة عبر الاقمار الصناعية او طائرات الاستطلاع المتطورة التي لا يمتلكها العراق وليست لديه خبرة واسعة تؤهله للقيام بها بمفرده ، احد اهم مبررات وجود هذه القوات او استمرارها لفترة اكتمال تأهيل القوات الامنية العراقية .رغم معارضة اغلب القوى السياسية العراقية لبقاء هذه القوات الى اجل غير مسمى . لذلك يصبح الحاح قوات التحالف على عودة "داعش" كمبرر لبقائها في العراق او سوريا غير ذي معنى بعد هزيمة "داعش" وفقدانه لمعاقله في العراق وسوريا في العام 2017 .

والمهمة الاساسية بعد هزيمة "داعش" وفقدانه لملاذاته في مناطق شمال وغرب العراق ، المساعدة بتأمين المناطق المحررة من خلال دعم القوات العراقية الماضية في تطهيرها من بقايا تنظيماته ، وكذلك الاستمرار بتدريب وتأهيل القوات الامنية العراقية . ومهمات اخرى منها حماية الشركات الامريكية والاجنبية العاملة في العراق وهو ما يصطلح عليه "حماية المصالح الامريكية" وفي نفس الوقت يجب ان لا تكون حماية المصالح الامريكية على حساب مصالح العراق الدولة المضيفة ، لانها تعتبر مقدمات لمطالبات قوية ومؤثرة سياسيا وشعبيا بزيادة وتيرة المطالبات بضرورة رحيل هذه القوات ، كما يحدث الان ، وتقدمت العديد من القوى السياسية بمشروع جديد يطالب البرلمان باقراره حول ضرورة ترحيل هذه القوات من العراق باسرع وقت .

وازدادت وتيرة هذه المطالبات قوة بعد الاختراقات الاخيرة للاجواء العراقية ، وتنفيذ ضربات جوية ، اصرت القوى السياسية وقوات الحشد على ان قوات التحالف لها علم مسبق بها لانها من يسيطر على اجواء العراق الوطنية . ويعتبر هذا السبب كافيا لمطالبة هذه القوات بالرحيل ولا توجد مبررات مقنعة بضرورة بقائها بعد اخفاقها بمنع اختراق الاجواء العراقية او اتخاذ ما يلزم لمنع تلك الاختراقات .

فاضيفت اسباب جديدة ساهمت بتقوية تلك المطالب ، وتحشيد التأييد الشعبي لها ، وقدمت كمشروع قرار الى البرلمان ومن المنتظر مناقشتها في جلساته القادمة . ولكن ذلك لم يحصل لحد الان ، بسبب الضغوطات التي مورست ضد رئاسة البرلمان لسحب القرار او منع وتأجيل مناقشته خوفا من حصول اغلبية تؤيد ترحيل القوات من العراق . وارجع البعض تأجيل طرحه في البرلمان الى تهديدات امريكية وجهت باكثر من مناسبة الى حكومة عبدالمهدي ، تلمح الى انهاء الشراكة الاستراتيجية بين العراق وامريكا في حال تفعيل قرار اخراج القوات المعنية من العراق .

بعد 16 عاما على سقوط النظام السابق ، تداخلت الكثير من المصالح المشتركة بين العراق وامريكا ، لا يمكن ان ترتهن ببقاء القوات الامريكية او رحيلها لانها لا تعكس الصورة الحقيقية للواقع ، لتشابك وتعقيد الاعمال المشتركة والمصالح بين البلدين . واختزال القوات الامريكية لمجالات التعاون وحصرها بعودة "داعش" او معاودة نشاطاته الاجرامية في العراق وسوريا مجددا ، لا يخدم مصالح البلدين ، ومحاولة للتقليل من شأنها او حصرها في الجانب العسكري والامني ، دون النظر الى مجالات التعاون المدنية ، خاصة ان العراق خرج من سلسلة حروب تركت ثارا عميقة على اقتصاده وخلفت خرابا هائلا على جميع المستويات وبحاجة الى مساعدة الدول التي شاركت بالقضاء على الارهاب المتمثل بداعش والتنظيمات المتطرفة باعادة الاعمار والبناء ومشاكل النازحين وتأهيل مؤسساته واداراته ، التي اصابها الجمود والتصدع والفساد طيلة سنوات الحرب .

وبالامكان تقليص عدد قوات التحالف ومن ضمنها القوات الامريكية حسب الحاجة او تكييفها وفقا لمتطلبات الاوضاع على الارض ، بعد هزيمة داعش وفقدانه لمرتكزاته في العراق وسوريا ، وتجنب رهن العلاقات بين واشنطن وبغداد ببقاء او ترحيل القوات ، لان البلدين لهما مصالح مشتركة لا تقتصر على التعاون العسكري او يمكن اختزالها في التعاون العسكري والامني ،لوجود عشرات ان لم تكن مئات الشركات الامريكية العاملة في العراق ، ستكون مهددة كذلك بتصفية اعمالها اذا اصرت القوات الامريكية على البقاء الدائم او الى اجل غير مسمى دون ان يخضع وجودها لمتطلبات الحاجة الفعلية لهذه القوات واعدادها، لانها تؤثر سلبا على مجالات التعاون المدنية والسياسية ، وهي لا تقل اهمية عن التعاون العسكرية وافاق تطويرها ، خاصة ان العراق مقبل على اعمال كبيرة وضخمة تتعلق باعادة البناء والاعمار واعادة الحياة للنشاطات المدنية والتنموية بعد هزيمة داعش والتنظيمات الارهابية المتطرفة . والاستمرار بتطهير المناطق النائية من بقايا تنظيماته ونشاطاته .

واتفاقية التعاون الاستراتيجي بين امريكا والعراق لا تقتصر على الجانب العسكري والامني ، وشملت مجالات تعاون مدنية وقضائية ، تتطلب عدم حصر التعاون بالجانب العسكري والامني واهمال البنود الاخرى التي لا تقل اهمية عن الجانب الامني . وضرورة تفعيل بنود الاتفاقية في جميع المجالات ، لكي لا يكون مشروع القرار المقدم الى البرلمان حول ترحيل القوات حاسما في العلاقات الاستراتيجية بين العراق والولابات المتحدة او العامل الحاسم بتقرير مصير هذه العلاقات التي تجاوزت الكثير من سلبيات الماضي ، ولا يمكن التخلي عنها نهائيا او تجميدها او رهنها بجانب واحد واهمال الجوانب الايجابية الاخرى والضرورية للبلدين ومستقبل العلاقات بينهما ، وامكانية تطويرها الى افاق جديدة من التعاون التي وردت باتفاقية التعاون الاستراتيجي المهمة للبلدين ومصالحهما المشتركة .

والتوازن بين النشاطات العسكرية والامنية والنشاطات المدنية بين البلدين ، كفيلة بالتخفيف من اصرار بعض القوى السياسية المصرة على ترحيل القوات ، بعد النكسات الاخيرة والاختراقات التي حصلت للاجواء العراقية مؤخرا ، شجعت تلك القوى على اصرارها بتقديم مشروعها الى البرلمان الذي ينص على ضرورة ترحيل القوات باسرع وقت ممكن لانتفاء الحاجة الى بقائها ، متجاوزة اتفاقية التعاون ، التي سيؤدي مشروع القرار في حالة اقراره الى تجميدها او تعطيل فعاليتها مع اصرار القوات الامريكية على البقاء ، دون مناقشة حجمها وضرورتها واعدادها ومجالات نشاطاتها في العراق .

 جميع هذه الاسئلة بحاجة الى اجوبة واقعية يتم وفقها التوصل الى حلول مقنعة ، تساهم بتطوير العلاقات المبنية على المصالح المشتركة، وتزيل الشكوك وعدم الثقة بين الطرفين بعد الاختراقات الاخيرة للاجواء العراقية والنكوص بمواجهتها ، وربما عدم التعاون من جانب القوات الامريكية بكشف مصدر الاختراقات بشكل علني وتوثيقي يزيد الثقة بهذه القوات ، ويفسح المجال لتعاون اكبر واشمل بينها وبين القوات العسكرية والامنية في العراق . 

وهناك اطراف اقليمية لا تريد للعلاقات العراقية الامريكية الاستمرار اوالتطور . والانتكاسات الاخيرة نقطة البداية لاهتزاز الثقة بين البلدين وتدهور العلاقات ، كشفت عنه حوادث اختراقات الاجواء العراقية ، وتستغلها هذه الاطراف للوقيعة بين الولايات المتحدة والعراق ، وتقوي اصرارها على تقديم مشروع قرار ترحيل القوات الامريكية الى البرلمان ، الذي تأجل تقديمه "مشروع القرار" عدة مرات سابقا لاسباب أكثرها مجهولة ستلعب دورا بمستقبل هذه العلاقات بحجب او اعادة الثقة بمستقبلها ومدى الالتزام ببنود اتفاقية التعاون الاستراتيجي . وما يشغل العراق بعد الاصرار على تقديم قرار ترحيل القوات الامريكية الى البرلمان ، كيفية تأمين الحماية الجوية الضرورية للاجواء العراقية لمنع الاخترقات او تكرار الاختراقات التي حصلت مؤخرا .

وسواء نجحت القوى السياسية بتقديم قرار ترحيل القوات ام لا من الضروري التذكير ان النظام الحالي المشاركة فيه القوى السياسية المصرة على ترحيل القوات "صنيعة أمريكية" فاشلة او تم افشالها، لم ينجر اي شيء طيلة 16 عاما منذ التغيير العام 2003 اما خروج القوات الامريكية من العراق ام بقاء هذه القوات لا يغير  حقيقة كون النظام الحالي اثبت فشله على اكثر من صعيد بعد ان تحولت مؤسسات الدولة الرسمية والوزارات الى كانتونات حزبية فاسدة . 

واخر ما يثبت فشل النظام اخفاقه بمنع الاختراقات لاجوائه من أطراف خارجية عجز عن تحديدها او الرد عليها ، رغم انها ربما تكون بداية لاستهداف مراكز عسكرية ومدنية مهمة من الناحية الاستراتيجية ، طالما يمكن تحقيق هذه الاختراقات بسهولة والوصول الى الاهداف المقرر ضربها داخل العراق ،دون ان تتمكن حكومته او قواته العسكرية تحديد مصادر هذه الاختراقات او الرد عليها او منعها من ضرب اهدافها العسكرية والمدنية في العراق .وعجزت القوات العسكرية والحشد من الرد عليها رغم تكرارها وقدرتها على اصابه اهدفها المقررة بسهولة اوبدون خسائر ، مما يؤشر الى خلل كبير في الدفاعات العراقية وعجزها عن حماية الاجواء العراقية من الاختراقات ،التي قد تتطور الى ضرب اهداف استراتيجية مهمة في المستقبل .


قيس آل ابراهيم العذاري

4.9.2019