الوزير : الخادم


الوزير : الخادم

قيس العذاري

بعد عودة الاحتجاجات في مدن الجنوب ، باتت الحاجة ملحة ، لمراجعة عمل الوزارات والهيئات المختصة او المعنية وسؤالها عن انجازاتها وعملها السابق ، لا يمكن للفساد ان يأتي من خارج من بيدهم السلطة ، فالجميع مسؤولون عن سوء الخدمات وغلاء المعبشة والبطالة والبنى الاساسية المتهالكة ناهيك عن الطرق والجسور وتنظيم شبكات النقل بين المدن والمحافظات ، وهي في حال يرثى لها لم نر لها مثيلا بجميع الحقب السابقة ، وحين ندخل الى مواقف الباصات والسيارات المخصصة للنقل بين المدن والمحافظات نصطدم بالفوضى والاماكن البائسة المخصىصة للباصات والسيارات ونخرج بنتيجة تثير الحنق فاكثر هذه المواقف والكراجات تصلح كمكبات للنفايات والازبال ولا تصلح مطلقا ان تكون لنقل المسافرين .

وتولد انطباعا ان المسؤولين بوزارة النقل يجهلون الحالة المخزية لهذه الكراجات. وطيلة السنين الماضية لم نسمع او نقرأ عن تفقد الوزير او المسؤولين بوزارة النقل لهذه الاماكن الحضارية التي تعتبر شريان الحياة الذي يربط بين مدن ومحافظات العراق واهميتها التجارية والمدنية . فهي عبارة عن مكبات للنفايات والازبال وبعضها مكشوفة او مسقفة بصفائح "الجينكو" بدعامات حديدية لا تقي من الشمس والمطر او سوء الاحوال الجوية ، وتتحول الى مستنقات اسنة بمواسم الامطار .

والداخل لبعض هذه الكراجات لا يجد فرقا بينها وبين المزابل ومجمعات الانقاض التي تعج بها الشوارع والازقة في بغداد والمحافظات . فنقترح على وزير المواصلات او النقل زيارة كراج العلاوي ، مثلا ، ليقف بنفسه على الحالة المزرية سواء بتنظيم السفر او الخدمات والنظافة في مثل هذا الكراج الحيوي المهم ، الذي يربط العاصمة بغداد يجميع مدن ومحافظات العراق تقريبا .

ومن المفارقات ان الكراجات الرئيسية والمهمة ومحطات القطارات والمطارات بجميع دول العالم ، تعتبر واجهات حضارية للبلد، لذلك فانها تحتل اماكن بارزة في المدن ، ومشيدة بطرازات عمرانية تعكس السمات الحضارية والتاريخية والثقافبة والعمرانية لليلد ، اما في العراق فانها لا تتعدى كونها عبارة عن مكبات للازبال والنفايات والفوضى وسوء الادارة .

على الوزراء والمسؤولين الخروج من مكاتبهم ، لانه لا يمكن ادارة شؤون وزاراتهم وقواطع مسؤولياتهم والمشاريع المتعلقة بوزاراتهم من المكاتب ، ووقوفهم بشكل عملي ومباشر على اليات العمل اليومي والمشاريع وتنفيذ خطط التنمية وتوفير الخدمات وهذه جميعها تتطلب من المسؤولين ترك مكاتبهم لتنشيط وتيرة العمل وتحفيز المسؤولين والموظفين على العمل الجاد والمنتج الذي يخدم الجميع.

 وتخصيص اوقات محدودة لاعمال الادارة والشؤون الادارية التي تتطلب المكوث في المكاتب .ولتقريب معنى الوزير بالغة العربية او معناه لغويا الخادم . الوزير بالعربية يعني "الخادم" وفي ذلك حكمة تمنع الاستطراد بتذكير الوزراء والمسؤولين يواجباتهم ، شخصيا لم ار اي وزير بموقع احد المشاريع او مسؤول محلي يشارك بحملة تطوعية او ما شابه ، انما اصطدم بوميا كغيري من المواطنين بمواكب الوزراء والمسؤولين ، التي تعيق الحركة في الشوارع وتعطل او تؤخر اشغال الناس وتحارب رزقهم .

ومن الامثلة على رداءة الاعمال واهمال المسؤولين وعدم المتابعة والمراقبة ، صرف 180 مليار دينار من استحقاقات نينوى دون ان يتحقق اي شيء في الواقع كما جاء على لسان ابناء نينوى ومدينة الموصل.  او هدر 40 مليار دينار بعطاءات رفع الانقاض حيث كان بالامكان رفعها مقابل الحديد الذي فيها دون دفع اي مبلغ كما جاء بتصريح محمد نوري نائب محافظ نينوى السابق . ونضم صوتنا للنائب محمد نوري ونتساءل هل حقا ان رفع انقاض يكلف 40 مليار دينار مهما كان حجمها وانتشارها؟ والسؤال الثاني الا توجد متابعة ومراقبة للعطاءات من قبل اعضاء مجلس المحافظة او الدوائر والمؤسسات المعنية بمكافحة الفساد ؟

وستطول قائمة تقصير الوزراء والمسؤولين اذا اردنا ان نعمل جردة لما حدث ويحدث في العاصمة بغداد وباقي المحافظات من اهمال وفساد يفوق الحصر ، ودليل على ضعف الهيئات الرقابية وعدم متابعتها كل باختصاصها ما بجري في الواقع . فعملية صرف الاموال للمشاريع التنموية والخدمية لا تكفي بدون متابعة ومراقبة من قبل الهيئات الرقابية المحلية والمركزية الى حين انجاز هذه المشاريع وفق الجودة والمواصفات المطلوبة .

نتابع ما قاله نائب محافظة نينوى السابق :" ان النهب الحكومي فاق ما نهبه داعش" . ونضيف ان ما نهبه داعش من اموال وعقارات واراض في نينوى تم بطرق غير رسمية وشرعية ، اما ما تم نهبه والاستيلاء عليه من قبل السياسيين والمسؤولين في نينوى فهو رسمي وشرعي ولا يجوز الاعتراض عليه او على فساده باي شكل من الاشكال ، لانه يتم بموافقة وشراكة المسؤولين في المحافظة بشكل رسمي .

وهذه عينات لما يجري في الواقع من اهمال وفساد وغياب تام للرقابة والمحاسبة على تنفيذ المشاريع والانجازات في العاصمة بغداد والمحافظات . لذلك يصبح التبشير بالتنمية واعادة البناء والاعمار اسم على غير مسمى لا وجود له في الواقع ، سوى في بيانات الوزراء والمسؤولين والشيكات المصروفة على المشاريع الوهمية او الشيكات التي لا تتناسب مع حجم المنجز .وبذلك نعود الى نقطة البداية لماذا تتجدد الاحتجاجات في مدن ومحافظات الوسط والجنوب؟ الاسباب واضحة وهي الفساد وغياب الانجازات الملموسة ، وان حدثت بعض الانجازات ، فهي محدودة لا تلبي الحد الادنى لمطالب المحتجين .

ولا نعلم ما يخبئه المستقبل ، فالمحافظات الغربية ونينوى تعاني من نفس المشكلات ، وتزيد مع وجود مئات الوف النازحين لم يتمكنوا من العودة الى بيوتهم بسبب الخراب من الحرب ضد داعش ، والفساد ، فحسب اخر الاحصائيات ان اكثر من ثلث المساعدات المخصصة للنازحين ، تسرق من قبل المسؤولين والسياسيين ، اضافة الى تهالك البنى التحتية بهذه المناطق ونقص الخدمات . ولو انها لم تعان من ارهاب داعش والحرب عليه وهزيمته ، وما لحق بها من تلك الفترة السوداء ، لخرجت فيها التظاهرات والاحتجاجات ، اسوة بمدن ومحافظات الوسط والجنوب بسبب تشابه المعاناة وفساد المسؤولين والبطالة وسوء الخدمات .

وللأمانة فان معاناة سكان مدن ومحافظات المناطق الغربية والشمالية اكثر من معاناة مدن ومحافظات الوسط والجنوب . لظروف الحرب الاستثنائية التي عانت منها ، وما تزال ، وموجات النزوح والخراب الذي تسببت به الحرب ضد داعش وتحرير هذه المناطق منه . فالمعاناة واحدة وأسبابها معروفة ، ولا بد من وضع حد لفساد الاحزاب والمسؤولين والتوجه نحو اعمال التنمية والبناء والاعمار ومعالجة نقص الخدمات ، سواء في العاصمة او المحافظات وعدم انتظار توقف التظاهرات والاحتجاجات بمدن الوسط والجنوب ، لانها سوف لن تتوقف في القريب او الآجل  بدون تلبية مطالبها المشروعة. 



https://drive.google.com/file/d/1rgST-4xBLLXnsqnbYCxTocmWT5Ufss59/view