انتفاضة الشعب


انتفاضة الشعب

قيس العذاري

منذ بدء انتفاضة البصرة، صدرت ردود فعل حكومية هنا وهناك "تستخف" بهذه الازمة التي تعاني منها البصرة، ولبيت بعض المطالب الانية والبقية عبارة عن وعود، بعد ان ظن المسؤولون انها زوبعة في فنجان، لكن سرعان ما عادت بقوة. وعدت البصرة بين احر مدن العالم، تجاوزت درجات الحرارة فيها 50 درجة مئوية، وفي مثل هذا المناخ مع تلوث المياه وشحتها وانقطاع الكهرباء، يمكن توقع الحالة النفسية والتوتر الذي يعيشه المواطنون، وجاءت الوعود والاهمال ليشعلا فتيل الازمة، دون ان تجد اذانا صاغية حقيقية لانهاء هذه المعاناة كل صيف مع فارق تفاقمها نتيجة الاهمال وبذل الوعود التي لم يتحقق منها شيء، بل زادت حدة ازمة المياه والكهرباء وارتفعت نسبة البطالة الى اعلى مستوياتها منذ العام 2003.
والبصرة هنا، مثال لما تعانيه باقي المحافظات فهي ليست احسن حالا من البصرة، وتمر بظروف عصيبة خاصة اوقات الصيف مع انقطاع الكهرباء وشح المياه وجبال الازبال التي تمتلئ بها الشوارع والازقة وتشكل بيئة موبوءة بشتى ابواع الامراض والمكروبات، وارتفاع اعداد الخريجين الشباب العاطلين عن العمل ، مقابل لا مبالاة واكتراث الحكومتين المحلية و المركزية. والبصرة ليست الوحيدة في هذا المجال، لكنها الاكثر تضررا من الحكومة، وعدم السعي لانهاء هذه المعاناة  شبه المزمنة، بحيث اصاب الكثيرين الملل من تكرار هذه المطالب، بدون استجابة حقيقية تغير واقع الحال السيئ والذي يسير نحو الاسوأ الى ان وصل الى درجة تلوث المياه وانقطاعات تامة للكهرباء وتراكم جيوش العاطلين عن العمل.
لا جديد نهائيا، فما يطالب به المحتجون والمنتفضون في البصرة مضت عليه 15 عاما، منذ التغيير وازاحة قوات الاحتلال للنظام السابق. وهذه المدة كافية لتوفير الخدمات الاساسية، وتجاوز فوضى التغيير والاتجاه نحو بناء واعمار البلد. يقال ان الالم يعتصر قلوب المسؤولين على ما تعانيه البصرة! فقد صح المثل: "دموع تماسيح" اين كانوا قبل ثمان او سبع سنوات، ولماذا الان يعتصرهم الالم، على البصرة وباقي المحافظات العراقية؟ هل حقيقة ان المسؤولين لا يدركون حجم معاناة المواطنين نتيجة سوء ونقص الخدمات والبطالة؟
العكس هو الصحيح، المواطن من يعتصره الالم على بلده، لانه بيد الفاسدين واللصوص، وبما ان البصرة ليست استثناء عن بقية المحافظات من ناحية نقص الخدمات والبطالة، من الممكن انتقال الاحتجاجات والعصيان بقوة الى باقي المحافظات، لتتحول الى انتفاضة وطنية، ضد الفاسدين وسراق المال العام، وبالاخص في المنطقة الخضراء المنقسمة بين المعسكرين الايراني والامريكي، على حساب معاناة الشعب ومصالحه ومستقبله.
على المسؤولين، ان يتركوا مكاتبهم وسياراتهم الفارهة والامتيازات غير المبررة والرواتب الفلكية وغيرها من المغريات التي اوجدها الاحتلال، وارتداء ملابس العمل والوقوف بشكل يومي على انجاز المشاريع الخدمية لتوفير الخدمات للمواطنين، وتقديم الفاسدين للمحاكمة ليكونوا رادعا وعبرة لمن يتجرأ على المال العام او انتهاك واهمال واجباته. فقد انتهى زمن الوعود والتسويف واصبحت غير مؤثرة. بغداد على وشك مع باقي المحافظات الالتحاق بانتفاضة البصرة، وتشكيل انتفاضة عامة لوضع حد للفساد والفاسدين، وزيفهم ووعودهم التي لم يعد يحتملها المواطنون.وبينما البصرة تشتعل صدرت مؤخرا دعوات لانعقاد البرلمان ومناقشة هذه المشكلات، وهي دعوات متأخرة، لا يمكنها ان تحل مشكلات البصرة او باقي المحافظات. فقد سبق ان شكلت العديد من اللجان المختصة، وخرجت بتوصيات، وظلت توصياتها حبرا على ورق. وسوف لا تكون دعوة البرلمان للانعقاد، والتوصيات التي سيخرج بها احسن حالا من اللجان المختصة السابقة، مما يؤدي الى خيبة امل جديدة. لم تعد مثل هذه الدعوات كما في السابق، تلقى الترحيب او تهدئ غضب المواطنين، وستفشل بحل مشكلات البصرة، لعدم وجود حكومة فاعلة، تنفذ توصياتها. الجميع منشغلون بالتحالفات، والخلافات بين الكتل السياسية، وعجز الكتلتين الرئيسيتين عن تشكيل الكتلة الاكبر التي تمهد للحكومة القادمة. ورغم محاولات التهدئة وبذل الوعود، ما زالت اصوات انتفاضة البصرة وباقي المحافظات هي الاعلى، تتزامن مع محافظات الوسط والجنوب، لتنفيذ الوعود التي مضى عليها ثلاث دورات انتخابية.
ولكن المشكلة بقيت كما هي، الجميع يتحدث عن الالتزام بما تصدره المرجعية، بينما المرجعية واضحة بمطالبتها المسؤولين النزول الى المواطنين وتلبية مطالبهم. وما يحدث في البصرة او محافظات الوسط والجنوب دليل على فشل نظام المحاصصة، لا يمكن استمراره لاعادة انتاج الفشل من جديد. ومن الواضح ان الاحزاب المتحاصصة تعمل على افشال بعضها او محاربة بعضها بالسر والعلن، لاثبات وجودها، وتسير على نفس الطريق في محاولة تشكيل الكتلة الاكبر والحكومة الجديدة.
والخلافات بين الاحزاب حول الكتلة البرلمانية الاكبر وتشكيل الحكومة القادمة، هي في حقيقتها حول المناصب والحصص، وليس عن كيفية تقديم الخدمات للمواطنين، ووضع حد للاهمال وسوء الخدمات والبطالة، وانقاذ العملية السياسية من السقوط والفشل. وآخر التطورات، تشير الى خروج مظاهرات تأييد وتضامن يوم الجمعة 7.9.2018 في العاصمة بغداد وكربلاء وبابل وميسان والديوانية وذي قار تضامنا مع انتفاضة البصرة .


7.9.2018


https://drive.google.com/file/d/1AwAxNmc0gJCHRAyck8JYWS7iJ579o1i8/view