تأخيرٌ مرحّبٌ به: انسحاب الولايات المتحدة من سوريا


تأخيرٌ مرحّبٌ به: انسحاب الولايات المتحدة من سوريا

رانج علاء الدين 

وعلى الرغم من الغموض الذي يلفّ دور القوات الأمريكية في سوريا في الفترة التي تلي الحملة المناهضة لتنظيم داعش والمعايير غير الواضحة حتّى الآن للمنطقة الآمنة المقترحة في شمال شرق البلاد، فإنّ عدول الولايات المتحدة عن قيامها بعملية انسحاب عاجلة لهو خبر سارّ بالفعل. فالخبر العاطل يكون على هذا النحو: لا يزال لدى تنظيم الدولة الإسلامية 30 ألف مقاتل بشكل عام في سوريا والعراق، فيما تترسّخ القوات المتحالفة مع إيران في المشهد السياسي وتعزّز مكاسبها. ولعلّ تنظيم الدولة الإسلامية خسر “الخلافة” وهو في انحسار مستمر، إلاّ أنّه لم يُهزم بعد ولا يزال يمثل تهديداً خطيراً لكلّ من سوريا والعراق. فقد أثبت هذا التنظيم الجهادي في كلا البلدَين أنّه قوة هائلة قادرة على الصمود، وحافظ على جيوب من المقاومة ضد القوات المحلية مع محاولته إعادة تثبيت أركانه ومع شنّه حملة من الاغتيالات والتعديات والابتزاز ضد المجتمعات المحلية.

لقد مرّت الولايات المتحدة بالتجربة ذاتها من قبل. فقد وجد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام عندما كان في حلّته السابقة، أي تنظيم القاعدة في العراق، نفسه في مأزق إلى أن انسحبت القوات الأمريكية في العام 2011 بناء على أوامر الرئيس باراك أوباما. وفي غضون ثلاث سنوات فقط، عاد الجهاديون للظهور من خلال السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي في سوريا والعراق والاستفادة من الحرب الأهلية السورية والتوترات الطائفية في العراق وانهيار الجيش العراقي وعبر إنشاء شبه دولة والإعلان عنها في يونيو 2014. وعلى غرار الانسحاب الذي أمر به أوباما في العام 2011، فإنّ الانسحاب الذي أمر به ترامب من سوريا يمكن أن يسمح للمجموعة بإعادة إنعاش نفسها في الأشهر والسنوات القادمة وبإعادة تشكيل نفسها في بيئات الصراع التي من شأنها أن تفضي إلى بروز المجموعة لسنوات عديدة.

بعيداً عن داعش، سيخلّف الانسحاب حتماً فراغاً يملأه أعداء أمريكا، مثل عشرات الآلاف من الوكلاء الذين نشرتهم إيران في سوريا أو مزيج من هذه المجموعات والقوات المتحالفة مع النظام السوري. وكما أظهر الانسحاب من العراق في عهد أوباما في العام 2011، تتمتّع إيران بقدرة مُثبتة وفعّالة لملء الفراغات التي تخلّفها الولايات المتحدة من أجل ترسيخ عملائها وتمكينهم. ومن شأن ذلك أن يعطيها قدرة لا تضاهى على رسم معالم المشهد السياسي. وممّا لا شك فيه أنّ إيران ستهرع لملء أيّ فراغات في سوريا تركتها الولايات المتحدة للتأثير في سياسة البلاد واقتصادها وأمنها في البلاد، إلى جانب موارد إعادة الإعمار التي قد يضخّها المجتمع الدولي في مرحلةٍ ما في البلاد.

وتتمتّع الولايات المتحدة بنفوذ كبير للحرص على ألا تحظى إيران بالحرية المطلقة في رسم معالم البلاد ككلّ، ويؤدّي نشر قواتها إلى عزل بعض أجزاء البلاد على الأقل عن إيران ونظام بشار الأسد، وإلى إبعاد هذه المناطق عن الصراع في الوقت عينه. وسيؤدّي الانسحاب إلى حصول إيران على العمق الاستراتيجي الذي هي بأمسّ الحاجة إليه، بما في ذلك الجسر البرّي الذي طال انتظاره والذي يربط بين طهران وبيروت والبحر الأبيض المتوسط. ويأتي ذلك في وقتٍ وضعت فيه العقوبات الأمريكية والتوغّلات الإسرائيلية في سوريا طهرانَ تحت ضغط كبير في الأشهر الأخيرة. ولا شكّ في أنّ انتشار نحو ألفَي جندي أمريكي يبدو عدداً ضئيلاً في الظاهر لكن هذا لا يبيّن الصورة الأكبر. فبعيداً عن الأهمية الرمزية لإبقاء قوات في البلاد، يتضخّم الوجود الأمريكي بشكل شبه دائم نتيجة بنية الولايات المتحدة التحتية العسكرية الضخمة في المنطقة، وهي بنية لا مثيل لها ولا منازع عليها. وقد تعلّمت القوات المتحالفة مع النظام السوري هذا الأمر بعد تجارب مريرة. ففي فبراير، هاجم 500 عنصر من القوات الموالية للنظام – بما في ذلك مرتزقة روس – القوات الأمريكية، لكنّهم قوبلوا بعد ذلك بطائرات حربية أمريكية، بما في ذلك طائرات بدون طيار من نوع ريبر Reaper ومقاتلات شبح من طراز F-22 ومقاتلات ضاربة من نوع F-15Eوقاذفات من نوع B-52 وطائرات AC-130 المدجّجة بالسلاح ومروحيات أباتشي. في نهاية المطاف، قُتل ما بين 200 و300 مقاتل مؤيد للنظام.

بعبارة أخرى، على الرغم من محدودية الحضور الحقيقي على الأرض، لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بقدرة هائلة على فرض قواعد وحدود للحرب وعلى التشجيع على الالتزام بها، إذ لا ينبغي التقليل من شأن الثقل الرمزي للحضور الأمريكي في الشرق.

الحرب الأهلية السورية: الحالة السياسية والعسكرية

ومن شأن انسحاب الولايات المتحدة أن يعزّز فرص نشوب صراع بين تركيا وأكراد سوريا. فلتركيا مخاوف تتعلّق بالأمن القومي في ما يخصّ وحدات حماية الشعب، وهي المنظمة التي تهيمن على قوات سوريا الديمقراطيّة والتي قاتلت إلى جانب الولايات المتحدة في الحملة لهزيمة ما يُسمّى بالدولة الإسلامية. وتنتمي وحدات حماية الشّعب إلى حزب العمّال الكردستاني الذي قاتل الدولة التركية لمدة تتخطّى الأربعين عاماً. ويشكّل مستقبل هذه الوحدات في شمال شرق سوريا، حيث أنشأت منطقتها الخاصة ذات الحكم الذاتي في خلال الحرب الأهلية، شوكةً في خاصرة العلاقات التركية الأمريكية التي تعود الى ما قبل الإدارة الأمريكية الحالية.

وما زالت تركيا عضواً وحليفاً مهماً في الناتو، فيما تشكّل قوات سوريا الديمقراطية القوة القتالية الأكثر فعاليّة في سوريا. وبإمكان الولايات المتّحدة من خلال العمل مع حلفائها في أوروبا أن تساعد كلا الجانبين على التوصل إلى تسوية عن طريق استراتيجيّة صعبة. إذ يمكن ربط دعم وحدات حماية الشعب بشرط استعدادها لاتّخاذ خطوات جدّية وحقيقية نحو تشاطر السلطة مع المجموعات الأخرى في الشمال الشرقي، أكرديةً كانت أم عربية، الأمر الذي من شأنه تحقيق الهدف الإجمالي المتمثّل بإنشاء هيكليات حكم موثوقة وشرعية قادرة على المساعدة على تخفيف الأزمات الإنسانية والبدء بعملية إعادة الاستقرار والإعمار ومنع العودة إلى الصراع.

من جهة تركيا، يمكن أن يولّد ظهور جهات فاعلة بديلة مسيطِرة في الشمال الشرقي توازناً يقلّل من فرص تحوّل الشمال الشرقي إلى دويلة خاضعة لقوات وحدات حماية الشعب، لكن على أنقرة أيضاً أن تقبل بفكرة أنّ قوات وحدات الشعب ستبقى عنصراً بارزاً وقوياً في المشهد السوري، ويعزى ذلك بالإجمال إلى أنّ هذه الوحدات ما زالت قوّةٌ سياسيةٌ ومقاتلةٌ عاليةَ التنظيم. مع قول ذلك، تبقى وحدات حماية الشعب قوة يمكن تقييدها إذا دُعم الشمال الشرقي بنظام سياسي شامل. وعلى عكس المبالَغة المحيطة بمخاوف تركيا إزاء وحدات حماية الشعب، فقد أشركت أنقرة حزب الاتحاد الديمقراطي، أي الجناح السياسي لوحدات حماية الشّعب، من قبل واستضافت رئيسه صالح مسلم. بالتالي، لا تعارض الحكومة التركية التفاوض مع تلك المنظّمة بالمطلق. وقد تبيّن لأنقرة في التسعينيات أنّه من خلال تعاونها مع الولايات المتحدة وتطويرها علاقات أقوى مع الأكراد العراقيين، أصبحت أكثر قدرة على التأثير في أحداث العراق.

أما البدائل، فهي محدودة. وتفتقر تركيا إلى القدرة على قمع وحدات حماية الشعب في شرق سوريا. وستواجه صعوبة للحفاظ على السلام في الشمال الشرقي ذي الهيمنة الكردية في حال نشرت قواتها المسلحة التي أصلاً تتحمّل فوق طاقتها، مُخاطِرةً في ذلك بالوقوع في مأزق يسمح ببروز المجموعات الإرهابية الجهادية. وفي وسع وحدات حماية الشعب اللجوء إلى النظام السوري ودعمه إذا لم يبقَ أمامها سوى الاختيار بين مواجهة هجوم تركي أو القبول بمفاوضات مع إدارة (سورية) في خضمّ تطبيع علاقتها مع المجتمع الدولي. ولا يمكن فصل وحدات حماية الشعب عن هيكليات الأمن والحكم في سوريا، لكنّ تركيا ستفقد كامل قدرتها على رسم معالم المنطقة في حال أُرغمت وحدات حماية الشعب على الانتقال إلى مدار نفوذ النظام.

في المستقبل، في حال انسحبت الولايات المتّحدة من سوريا من دون الوصول إلى توافق حول قوات سوريا الديمقراطية أو أقلّه وضع آليات لتخفيف الاحتقان بإمكانها أن تقلّل احتمال نشوب صراع بين تركيا وقوات سوريا الديمقراطية، سيكون لهذا الانسحاب تداعياتٌ مكلفة في دول أخرى تعتمد فيها الولايات المتحدة على جهات فاعلة مسلّحة شريكة لها من غير الدول، يما في ذلك العراق وليبيا وأفغانستان. والأهمّ هو أنّها ستخسر الكثير من نفوذها حول مرحلة إعادة الإعمار ما بعد الحرب، مسرّعة بذلك امتداد سيطرة نظام الأسد على البلاد، وتاركة فراغاً ستملأه إيران وروسيا. ولن تكون الولايات المتحدة بمفردها، وينبغي عليها الاستفادة من الالتزام الأوروبي للمحافظة على مسارها.


بروكنغز