توحيد المعارضة السعودية للضغط من اجل تحقيق الاصلاح


 توحيد المعارضة السعودية للضغط من اجل تحقيق الاصلاح

منصور الحاج

في الثاني والعشرين من شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، تشرفت بالمشاركة في المؤتمر الذي نظمه مركز دعم الديموقراطية وحقوق الإنسان في السعودية بالعاصمة الأميركية واشنطن. تحدثت فيه عن التحديات التي تواجه المعارضين السعوديين والمستقبل الذي ينشدونه خاصة بعد حادثة اغتيال الكاتب جمال خاشقجي التي فتحت الباب على مصراعيه لانضمام شرائح جديدة كانت إلى وقت قريب تحسن الظن بالسلطة وتدعم سياسات ولي العهد محمد بن سلمان.

تطرقت في كلمتي، التي ألقيتها في المؤتمر الذي حمل عنوان "السعودية بعد عهد الملك سلمان"، إلى سياسة السلطات السعودية في التعامل مع التنظيمات والحركات والشخصيات في الداخل والخارج التي تطالب بإصلاحات سياسية في البلاد.

ففيما حظيت التنظيمات الإرهابية التي تستخدم العنف ضد أهداف مدنية وعسكرية بمعاملة ناعمة في سجون أشبه بفنادق خمسة نجوم ولجان مناصحة لـ"إستتابة" الإرهابيين وإعادة تأهيلهم وتوفير جميع التسهيلات لهم وصلت لدرجة التكفل بتكاليف زيجاتهم ومنحهم مبالغ مالية وتمليكهم مشاريع تجارية، نكلت السلطة بالنشطاء ودعاة الإصلاح أشد التنكيل وزجت بهم في السجون ومنعتهم من السفر واستهدفت المبتعثين في الخارج وأوقفت منحهم الدراسية ومكافآتهم الشهرية وضايقت أسرهم، كما استدرجت بعضهم وحبستهم بعد أن وعدتهم بعدم معاقبتهم إن أوقفوا نشاطهم وعادوا إلى البلاد، كما حدث مع الناشط وجدي غزاوي على سبيل المثال.

لم يقتصر قمع السلطة للمعارضين المعتدلين على استهدافهم والتنكيل بهم فحسب، بل سلطت عليهم ما بات يعرف بـ"الذباب الإلكتروني"، وهو فريق من الفاعلين على مواقع التواصل الاجتماعي أسرفوا في استخدام كل أدبيات التخوين وإسباغ سمة العمالة على كل من يجرؤ على انتقاد السلطة أو المطالبة بأي إصلاحات سياسية أو مجرد التعبير عن اختلافه مع سياسات بن سلمان في اليمن والأزمة مع قطر وكندا واعتقال الحقوقيين والحقوقيات.

إن موجة التنديد الأخيرة غير المسبوقة التي تصدى لها نشطاء كانوا يهادنون السلطة إلى وقت قريب ويمسكون العصا من النصف، كما كان يفعل المغدور خاشقجي، أملا في إبقاء مجال العودة إلى الوطن مفتوحا، لم تكن لتحدث لولا تأكد أولئك أن إصلاحات محمد بن سلمان ليست سوى سراب حسبوه ماء. لكن ما أن اغتيل خاشقجي داخل قنصلية بلاده، حتى ارتعبوا وأدركوا بأنهم أخطأوا حين أحسنوا الظن في نوايا السلطة، فسارعوا بإحراق قواربهم وإعلان ضرورة رفع سقف المطالبات لتشمل إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين واعتراف السلطة بحق الأفراد في حرية التعبير وتحويل البلاد إلى ملكية دستورية، واعتبار هذا التصعيد بمثابة دية جمال خاشقجي بحسب تغريدة للناشطة منال الشريف.

لقد كانت جريمة اغتيال خاشقجي بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير؛ فما إن بدأت التسريبات التركية عن الطريقة البشعة التي تمت بها الجريمة حتى تبرأ كثير من الكتاب والسياسيين في الغرب من ابن سلمان وسحبوا تأييدهم له ولسياساته، بل وطالب البعض بإزاحته كالسيناتور الجمهوري ليندزي غراهام.

وبعيدا عن المزايدات وردود الفعل، فإن على المعارضين السعوديين العمل على توحيد جهودهم والاتفاق على مشروع يعكس تطلعات الشعب السعودي ويرقى لطموحاته في وطن يشترك أبناؤه في صناعة القرار عبر أجهزة تنفيذية وتشريعية وقضائية مستقلة تقدم مصلحة الوطن وتساوي بين المواطنين وتكفل الحقوق وتحترم الحريات.

لقد حان الوقت لكي يتجاوز المعارضون خلافاتهم الشخصية ويتغلبوا على أزمة الثقة التي تعيق كل مبادرات التعاون وتحول دون أن يكون لهم أثر ملموس في العواصم الدولية وأروقة المنظمات ومراكز الفكر وصناعة القرار.

إن النظام السعودي هو المستفيد الوحيد من حالة التشرذم في صفوف المعارضين والنشطاء الحقوقيين ومؤيديهم ومتابعيهم، الذين تتزايد أعدادهم كل يوم في الداخل والخارج مع ارتفاع أعداد السعوديين الذين اختاروا الحصول على اللجوء السياسي في الدول التي ابتعثوا للدراسة فيها خاصة بعد تزايد القمع في البلاد وانسداد أي أفق للإصلاح السياسي.

في ختام كلمتي في المؤتمر، اقترحت أن يتصدى معهد دعم الديموقراطية وحقوق الإنسان في السعودية، بالتعاون مع مؤسسات حقوقية أخرى ومراكز بحثية، لتنظيم مؤتمر تشارك فيه جميع شرائح المعارضة لمناقشة سبل توحيد الجهود والتعاون وتقريب وجهات النظر من أجل تكوين جبهة قوية تعمل من أجل أهداف محددة تعكس تطلعات الشعب وتمارس ضغطا ممنهجا على السلطة لإجبارها على تقديم تنازلات والاستجابة لمطالب الإصلاح وفي مقدمتها إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وحرية التعبير وتحويل البلاد إلى ملكية دستورية.