تونس : أزمة أحزاب أم أزمة تَنظم؟


تونس : أزمة أحزاب أم أزمة تَنظم؟

خديجة معلَّى

منذ الانتخابات البلدية وبروز ظاهرة القائمات المستقلة، في ماي 2018، والأنظار متجهة نحو المبادرات المواطنية التي ظهرت هنا وهناك. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تمثل هذه المبادرات البديل الحقيقي أم هي فقط الوجه الآخر لعملة الأحزاب التي فقدت إشعاعها وفاعليتها؟ أو ماذا ينقص هذه المبادرات المُواطنية كي تصبح البديل الحقيقي والشرعي لخدمة الصالح العام والدفاع عن مصالح المواطنين؟

لقد مثَّل ظهور هذه المبادرات المُواطنية أملا كبيرا لدى العديد من الوطنيين أوالمحبطين من التيارات والأحزاب الأخرى. كما إنخرط فيها العديد من الشخصيات التي كانت تُفضل أن تبقى على الحياد ولكنها أحست أن هذا الخيار هو الأجدى في المرحلة الراهنة، وبذلك قطعت على نفسها رهانا كبيرا بالتخلي عن حيادها والإنضمام إلى هذه المبادرات.

العنصر الجاذب الأقوى كان الإعلان عن إعتماد مبادئ وطرق عمل جديدة تقطع مع ماضي الأحزاب الكلاسيكية، وهي الالتزام بالعمل الأفقي، ونبذ الزعامتية قصد ترسيخ الديمقراطية التشاركية. لكن لسائل أن يسأل: هل تكفيرالإعلانات لترسيخ مبادىء تعامل جديدة إن لم نضمن قبل ذلك أن يكون الجميع مقتنعا فعلا بكل هذه المبادىء؟ ما الذي كان يجب فعله من تغيير للعقليات والأطر الذهنية قبل القيام بهذه الإعلانات وتقديم الوعود من أجل ضمان تطبيقها على أرض الواقع؟

تجربة المتابعة عن قرب لهذه المبادرات في الستة أشهر الأخيرة، برهنت على أن غالب الوعود التي قدمت كانت مجرد حبر على ورق وإعلانات لم يتبعها تطبيق حقيقي والتزام بالتنفيذ في الواقع العملي اليومي. وللتمكن من الإجابة عن السؤال الأساسي وهو هل يمكننا تصحيح المسار، يجب القيام بتحليل نقدي لما حصل والتمعن في كل الإخفاقات.

لمَّا تكون نخبة النخبة غير مقتنعة حقيقة بالديمقراطية التشاركية وتكتفي بإعلان مبادئها دون الإلتزام باتخاذ كل الإجراءات لتنفيذها، فهي تعطي رسائل سلبية، عكس ما تم التبشير به، وتتسبب في خيبة أمل جديدة للطاقات الوطنية التي انضمّت إلى هذه المبادرات، فتفاجأ أنها لا تختلف كثيرا عن تلك الأحزاب الكلاسيكية التي من المفروض أنها أنشئت لتعويضها.

فهل لدينا الوقت الكافي، قبل إنتخابات شهر أكتوبر القادم، للقيام بالمراجعات المتأكدة حول ما يتحتم فعله لتصحيح المسار، بدءًا بالتركيز على شرح المعنى الحقيقي لمفهومي التشاركية والأفقية وعلاقتهما العضوية بالمسألة الديمقراطية، والديمقراطية التشاركية بالذات؟ أم هل إن الأجدى هو التفكير في مشروع طويل المدى لا يهتم بالنجاح في اقتلاع بضعة الكراسي في البرلمان القادم؟ أم إن الواقعية تقتضي بل تُحتم الإهتمام بالأمرين معاً؟

لا يجب أن يغيب عن أذهاننا أن الديمقراطية التشاركية تعتمد أساسا على مشاركة المواطنين بصفة مباشرة في إبداء الرأي وفي الإختيار وفي المحاسبة، ضمن آليات جديدة تكفل تحقيقها بديلا للديمقراطية النيابية أو التمثيلية. غير أن توفر الطاقات المؤمنة بجوهر هذا المفهوم يتطلب كذلك وأساسا حصولها على التكوين والكفاءة اللازمين من أجل حسن أداء المهام المطلوبة لضمان النجاح، وترسيخ هذه المفاهيم الجديدة في الساحة السياسية التونسية.

للأسف، قد إتضح أن هذا العنصر لم يقع التفطن إليه، أو لم يقع إيلاؤه الأهمية التي يستحق مما سبَّب، إلى جانب عناصر أخرى، نوعا من التعثر وصل في بعض الأحيان إلى حد البعد عن المسار المراد سلوكه. ولعل ذلك ما خلق لبسا في أذهان المواطنيين حول الفارق بين الأحزاب ذات الهيكلة الكلاسيكية والمبادرات المُواطنية القائمة على الأفقية والتشاركية ونبذ عقلية الزعامتية.

إن الخطأ الأفدح لكلا الخيارين أنهما بقيا خارج الحراك الإجتماعي اليومي الذي هو المحرار الحقيقي لمدى عمق أو هشاشة ثقة المواطنين في كل هذه الكيانات السياسية، الكلاسيكية والحداثية، أو ما بعدها.

ولكن لكي نبقى متفائلين يجب أن نعتبر أن الكيانات السياسية التي من المفروض أن تكون الأقرب إلى التفاعل مع هموم المواطنين بحكم طبيعة هيكلتها ومنظورها للسياسة وللفعل السياسي، هي المبادرات المُواطنية الحقيقية غير المتذيلة للوبيات أولأحزاب، من نوع "مواطنون" و"نشارك" من دون استثناء الأحزاب ذات التوجه التقدمي والديمقراطي الاجتماعي، شريطة أن تراجع بأسرع وقت ممكن مردوديتها بجرأة ونزاهة حتى تقدر على تصحيح مسارها بالالتحام بالحراك الشعبي في كل مكان من أرض الوطن وتتخلى نهائيا عن عقلية الزعامة في جانبي الفعل والمفعول به.

لذلك، يتحتم الوعي بأن إنجازا تاريخيا من هذا القبيل، من أجل الإنتقال من الديمقراطية النيابية-التمثيلية وما شابها من عيوب، إلى الديمقراطية المواطنية التشاركية، يتطلب طول نفس ومراقبة دائمة لكل خطوة تُقطع، محافظة على المسار الصحيح.

ومن هنا يصبح التركيز على الانتخابات المطلة علينا، والتي لا تفصلنا عنها سوى مائة وعشرين يوما، والاعتقاد بالفوز فيها بكتلة نيابية وازنة، نوعا من الحلم صعب المنال إن لم نقل مستحيلا!

أما اعتبار هذا المشروع السياسي المُواطني البديل هو مشروع المستقبل وهو بصدد البلورة، فذلك هو التحليل والتقييم العقلاني والواقعي في نفس الوقت، بقطع النظر عما تسفر عنه هذه الانتخابات من نتائج.

كل هذا التحليل لا يجب أن يُفهم منه طبعا التخلي عن خوض الحملة الانتخابية، ولكن خوضها يجب أن يتم بأعين بصيرة وبسيقان على الأرض وبعقول رصينة. وهذا لن يكون من دون الإسراع بإجراء تقييم موضوعي لمدى إنتشار وفاعلية هذه المبادرات المُواطنية بالأساس ومعها الأحزاب التقدمية والديمقراطية الإجتماعية التي طرحت على نفسها مبدأ نبذ الزعاماتية وتوخي العمل الأفقي التشاركي والتطلع لاقتراح حلول وبرنامج يخرج تونس من النفق المظلم الذي تعيشه.

وقبل ذلك يبقى العمل وسط المواطنين ومقاسمتهم أتعابهم اليومية ومشاركتهم احتجاجاتهم وحسن التعبير والدفاع عنها، هي الجسر الأمتن والأصدق لبناء الثقة والاشتراك في بناء المستقبل الذي نحلم به جميعا، لنا وللأجيال القادمة وهذا ليس بعزيز علينا.


تونس .ليدز