"جمهورية طيور الفري"


"جمهورية طيور الفري"

حازم الأمين

لا جشع يفوق جشع الطبقة السياسية في لبنان، ولا وقاحة تنافس وقاحتها. البلد على شفير الانهيار، والدولار بدأ يتجاوز الخمسة آلاف ليرة، والجوع على الأبواب، وفي هذا الوقت يجتمع مجلس الوزراء ويقر تعيينات مالية يتوزع فيها أطراف السلطة، من أحزاب الفساد والارتزاق، الحصص، وتجري مشادات بينهم على المناصب والمغانم، فيما اللبنانيون يتحضرون لمعاودة النزول إلى الشارع.

العالم يراقب لمعرفة مدى التزام الحكومة بالشروط الإصلاحية، لكن هذا الأمر ليس مهما، فالأهم منه أن يعين جبران باسيل مقربين منه في المناصب العليا، وأن يفوز وزير المالية بمقعد لقريبه، وأن يعين رئيس الحكومة قاضية مشكوك بنزاهتها في مديرة عامة. 

هذا المشهد هو ما تقترحه السلطة في لبنان على صندوق النقد الدولي لاستدراجه لمساعدتنا. الناس بدأت تجوع فيما جبران باسيل يطل علينا بابتسامته المعهودة ويقول إن التعيينات انتصار للجمهورية، فيما يقترح مساعد له أن يلجأ اللبنانيون إلى اقتناء طيور الفري لتعويض الغذاء المفقود من بيضها! هذه ليست نكتة، هذا ما قاله أحد عباقرة التيار الوطني الحر.

العونية هي رذيلة "حزب الله" الثانية بعد رذيلة السلاح. ما كانت العونية لتتدفق على حياتنا العامة والخاصة من دون دفع "حزب الله" لها إلى وجوهنا. لولا الحزب لكانت العونية عارضا يمكن ضبطه في حدود الارتكاب وفي حدود المفارقة الكوميدية التي تولدها. "حزب الله" جعل منها حقيقة ممكنة وثقيلة. 

الحزب يؤمن نصابا سياسيا وطائفيا لهذا السلاح عبر شبكة أمانٍ عمادها أحزاب فاسدة تولت وتتولى السطو على الدولة وعلى مدخرات اللبنانيين

موضوع بيض الفري مثلا كان يمكن أن يكون نكتة، لكنه اليوم صادر عن جهة تعني ما تقول، وتنفذ ما تقول. التعيينات فضيحة فعلا، لكنها انتصار لجبران باسيل أيضا، واستقلال القضاء شعار الرئيس ميشال عون، لكن وقف التعيينات القضائية المستقلة من صلاحياته أيضا. يستقيم الأمر وعكسه مثلما يستقيم بيض الفري غذاء لشعب على شفير الجوع!

لكننا سائرون إلى الهاوية بخطى حثيثة، فبماذا يفكر هؤلاء؟ بماذا يفكر "حزب الله" في الوقت الذي ستكون فيه دولته أمام مصير مجهول فعلا؟ هل ما زال يعتقد أنه من الممكن الاستمرار بسياسة دفع الرشاوى لحلفائه من جيوب اللبنانيين لقاء صمتهم على سلاحه؟ ماذا ستكون وظيفة هذا السلاح، وعلى من سيمارس سطوته ونفوذه؟

الصلافة هي المضمون الوحيد للسياسة في لبنان. الفساد صار شأنا عاديا، ولم يعد مجديا أن نفسر به لوحده ارتكابات السلطة. الفساد هنا كشف عن وجهه وقال: ها أنا، لا أخجل من نفسي ولا أدعي شيئا آخر. التعيينات الإدارية الأخيرة شملت أكثر من عشر مواقع في الإدارة، جميع المعينين هم رجالات أهل السلطة ممن سبق أن سرقوا ودائع اللبنانيين وسطو على الهبات الدولية، وهم أنفسهم من ارتفعت أسماءهم وصورهم في تظاهرات السابع عشر من أكتوبر بصفتهم شياطين الجمهورية ولصوصها.

ماذا يمكن أن يقول المرء حيال ما جرى سوى أن يطلق الشتائم. الفضيحة أكبر من أن تُدارى، وأصحابها أصلا غير مكترثين لمداراتها. هذا ما يعود ويفسر ذلك المخزون الهائل من الشتائم الذي شهدته الانتفاضة اللبنانية، ذاك أن اللبنانيين حيال مشهد لا سياسة فيه، وليس ثمة من يرغب بمراوغتهم. هو يقول لهم السلطة لي وسأفعل ما أشاء، وسأواصل سرقتكم تحت ناظريكم. وحيال هذه الحقيقة لا حول لنا ولا قوة سوى أن نبدع مزيدا من الشتائم وأن نحول غيضنا إلى طاقة صراخية نعالج عبرها هذه الغصة وهذا الضيق.

العونية هي رذيلة "حزب الله" الثانية بعد رذيلة السلاح. ما كانت العونية لتتدفق على حياتنا العامة والخاصة من دون دفع "حزب الله" لها إلى وجوهنا

لقد أصبحت المعادلة واضحة. العالم غير قابل بـ"حزب الله" وبدوره وبطغيانه، وباشر إجراءات عقابية بحق الحزب وبحق دولته، فيلجأ الحزب إلى جبران باسيل، يعطيه ما يرغب من مناصب ومن معامل لتوليد الكهرباء ومن حماية. وباسيل الذي يعرف تماما قيمة ما يعطيه، يذهب في غطرسته إلى أقصاها، وأحيانا يشطب وجه الحزب من دون أن يُعمق الجرح، على نحو ما فعل في قضية عامر الفاخوري، فالرجل "عرف قيمته وتدلل".

النتيجة الوحيدة لدورة البؤس هذه هي أننا ندفع فاتورة سلاح "حزب الله" كل يوم، وعند كل منعطف، وليس فقط في ساحات المواجهة المباشرة بين الجماعات المذهبية وفي الشوارع. فالحزب يؤمن نصابا سياسيا وطائفيا لهذا السلاح عبر شبكة أمانٍ عمادها أحزاب فاسدة تولت وتتولى السطو على الدولة وعلى مدخرات اللبنانيين، وهي غير مستعدة للمساومة على هذه المهمة حتى لو أراد الحزب ذلك. القرائن على ذلك تتزايد كل يوم. كف الحزب عن استهداف رياض سلامة، وقبل بمعمل سلعاتا ومرر التعيينات الإدارية والمالية، وأعلن جبران باسيل انتصاره في تصريح واضح وغير ملتبس.

وفي مقابل هذه الفضائح استنفر الحزب بيئته المذهبية في مواجهة "الراغبين بنزع سلاحه"، وبدءا من اليوم سينطوي أي اعتراض أو احتجاج على فضيحة فساد على نية بنزع السلاح.


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.