جُحر أفاعٍ في شمال سورية


جُحر أفاعٍ في شمال سورية

مهنّد الحاج علي

في الأيام الأخيرة، بعد القصف المتواصل، بما في ذلك الهجمات الجوية التي استهدفت قافلة عسكرية تركية يوم الاثنين الماضي، تقدّمت قوات النظام السوري نحو مناطق خاضعة لسيطرة المعارضة في شمال سورية. وللمرة الأولى منذ خمس سنوات، دخل النظام مدينة خان شيخون التي تحتل موقعاً استراتيجياً على الطريق الدولي جنوب محافظة إدلب.

إذا واصلت القوات الموالية للرئيس السوري بشار الأسد تقدّمها، قد يلوذ عدد كبير من أبناء إدلب السوريين، وعددهم 3 ملايين نسمة، بالفرار إلى تركيا التي تستضيف راهناً 3.5 ملايين لاجئ على أراضيها. وقد توقّع منسّق الأمم المتحدة الإقليمي للشؤون الإنسانية المعني بالأزمة السورية، بانوس مومسيس، فرار مليونَي لاجئ سوري إلى تركيا، ما من شأنه أن يسفر عن أزمة إنسانية أخرى بحجم الأزمة التي وقعت في 2011-2013، عندما تدفّق ملايين اللاجئين السوريين إلى لبنان والأردن وتركيا.

قد تكون التداعيات السياسية على تركيا هائلة، فأزمة اللجوء السورية لاتزال تؤدّي دوراً كبيراً في النقاشات الداخلية. يحرص الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في أعقاب الهزيمتَين المتتاليتين اللتين مُني بهما حزبه في الانتخابات البلدية في اسطنبول، على إبقاء الأزمة السورية في الجهة الأخرى من الحدود تحت السيطرة. وتعمل تركيا على إعادة آلاف اللاجئين إلى سورية، بصورة قسرية في معظم الحالات. لذلك، من شأن وصول موجة جديدة من اللاجئين أن تلحق الضرر بحزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان، وبإرثه السياسي أيضاً.

غالب الظن أن الرغبة في تجنّب موجة جديدة من اللاجئين سوف تدفع أنقرة إلى محاولة وقف تقدّم القوات السورية. لايزال التدخل المباشر أقل احتمالاً، إلا بهدف حماية مركز مراقبة تركي محاصَر على مقربة من خان شيخون، أو في حال أخفق ما يُسمّى الجيش الوطني السوري الذي أنشأته تركيا ويتألف من مقاتلين معارِضين سوريين قام الأتراك بتسليحهم وتدريبهم وتمويلهم، في وقف تقدّم جيش الأسد. بيد أن زجّ الجيش الوطني السوري في معركة مع النظام السوري يتطلب تبديلاً في الاستراتيجية. فهذا الجيش لم يُشكَّل لمحاربة النظام بل لقتال القوات الكردية في الشرق. هذا وتحدث اشتباكات بصورة منتظمة بين الجيش الوطني السوري والقوات الديمقراطية السورية بقيادة الأكراد، ويؤمّن الجيش التركي التغطية لحلفائه بواسطة القصف المدفعي. لهذا السبب، ينبغي على أنقرة أن تُعطي أولوية أكبر للأحداث في إدلب بغية تجنُّب أزمة إنسانية جديدة.

ازداد عديد الجيش الوطني السوري، منذ إنشائه في أيار/مايو 2017، من بضعة آلاف المقاتلين إلى أكثر من 35000 مقاتل في الوقت الراهن، ليصبح القوة القتالية الأكبر والأفضل تجهيزاً لدى الفريق المعارض، ويعود الفضل في جزء كبير من توسّعه وتدريبه إلى "المناطق الآمنة" التي أنشأتها تركيا في شمال سورية من خلال عمليتَي درع الفرات وغصن الزيتون. ونظراً إلى فشل المحاولات السابقة لتوحيد القوات السورية المعارضة، اعتُبِر الحفاظ على الجيش الوطني السوري إنجازاً سُجّل للقوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات التركية، ما منح أنقرة قدرة كبيرة على التأثير في سير الأحداث داخل سورية.

ولكن الاستثمار التركي في الجيش الوطني السوري سيكون معرّضاً للخطر إذا ما نجح الجيش السوري في استعادة السيطرة على محافظة إدلب. فمن شأن ذلك أن يتيح لنظام الأسد التركيز في المرحلة المقبلة على المناطق الخاضعة للسيطرة التركية، وهذا لن يُهدّد فقط الهدف الذي تسعى إليه أنقرة والمتمثّل في إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، بل سيُلقي بظلاله أيضاً على الخطط التركية للتوسّع شرقاً نحو مناطق خاضعة لسيطرة القوات الكردية السورية. وسوف يدفع ذلك تركيا إلى اتخاذ موقف دفاعي في سورية، من دون أن تملك هامشاً كبيراً للتحرك ضد ماتعتبره تهديداً كردياً لمصالحها القومية.

يبدو أن تركيا تتكبّد أكلاف تحالفاتها المتناقضة. لقد تقرّبت أكثر من روسيا في الآونة الأخيرة، إذ نشرت منظومة الدفاع الجوي الروسية "أس-400"، بما يتعارض مع الرغبة الأميركية، وتعاونت مع موسكو في التوصل إلى حل للنزاع السوري. بيد أن أنقرة سعت أيضاً إلى تجنّب خوض مواجهة مع واشنطن على المناطق الخاضعة للسيطرة الكردية، حيث تنتشر القوات الأميركية إلى جانب المقاتلين الأكراد. وقد هدّدت تركيا باجتياح تلك المناطق، في خطوة عارضتها الولايات المتحدة، ولكن الدولتَين توصلتا إلى تسوية مؤخراً عبر إنشاء مركز عمليات مشترك يتيح لهما تنسيق تحركاتهما.

في 16 آب/أغسطس، أعلن وزير الدفاع التركي خلوصي آكار أن "مركز العمليات المشتركة الأميركية-التركية الذي أقيم في محافظة شانلي أورف جنوب شرق تركيا للعمل على إنشاء منطقة آمنة في شمال البلاد وشرقها سيبدأ بمزاولة عملياته كاملةً الأسبوع المقبل". ويبدو أن هذا الأمر هو من الأسباب الرئيسة التي دفعت روسيا إلى دعم الهجوم الذي يشنّه نظام الأسد في إدلب، عبر ضرب أهداف بطائراتها وتزويد الجيش السوري بأسلحة محسَّنة، بما في ذلك معدات للرؤية الليلية. وغالب الظن أيضاً أن قصف سلاح الجو السوري للقافلة التركية تمّ بموافقة روسية.

بعبارة أخرى، يبدو أن موسكو تخشى التداعيات التي يمكن أن تترتّب عن توصّل الولايات المتحدة وتركيا إلى اتفاق حول شمال شرق سورية. إذا مهّد ذلك الطريق لوجودٍ أميركي وتركي أطول مدى في البلاد، فقد يكون له تأثير سلبي على نفوذ روسيا هناك وعلى نظام الأسد المدعوم منها. لهذا السبب، أُريدَ من الهجوم الذي تشنّه روسيا والنظام السوري في إدلب قَلْب الطاولة على تركيا والولايات المتحدة. إذاً، شمال سورية هو جُحر أفاعٍ حيث تترابط جميع الأحداث، وقد يُلدَغ أيٌّ كان. هذا الوضع المتقلّب لن يبلغ خواتيمه قريباً.


معهد كارنيغي

لدراسات الشرق الاوسط