حصارات لا تفرق بين الشعوب والحكومات القمعية


حصارات لا تفرق بين الشعوب والحكومات القمعية

قيس العذاري

يمكننا تقسيم الحصارات التي سبق ان نفذتها الولايات المتحدة ضد دول اعضاء بهيئة الامم المتحدة الى قسمين ما قبل الحرب الباردة والصراع الذي امتد لعقود طويلة "اكثر من سبعة عفود" بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة . وما بعد الحرب الباردة او تحولها اثر انهيار الاتحاد السوفيتي بلوائحة وانظمته الجائرة . سياسة الحصارات الاقتصادية ضد دول لا تنصاع للارادة الامريكية او مصالحها ك"ورقة ضغط" يمكن تفعيلها وفقا لما تتطلبه المصالح الامريكية لاسباب افتصادية او سياسية لا فرق .

هذه هي في الواقع سياسة اواهداف كل حصار نفذته الادارات الامريكية ضد دول ذات سيادة بالضد من الارادة الدولية او قوانينها التي تنص اهم بنودها على عدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول الاعضاء . لذا فهي حصارات تفتقد للشرعية والمبررات وفقا للقانون الدولي المقر من اعضاء المجتمع الدولي اوما يعرف بهيئة الامم المتحدة . 

المشكلة الجوهرية ان الولايات المتحدة غير معنية بتداعيات هذه الحصارات سواء على دول صغيرة وما يمكن ان يتسبب به الحصار  وعلى السكان او لدول كبيرة كما يحصل مع ايران ، فمن المؤكد ان الولايات المتحدة وادارة الرئيس ترامب تدرك ان تشديد الحصار على ايران يهدف الى ضرب الاقتصاد الابراني الذي له تداعيات خطيرة على معيشة المواطن كما حدث في العراق سابقا .

وهو الجانب الانساني  وما يمكن ان يخلفه من ماسي على الشعوب المحاصرة ومحاولة تعطيل الحياة فيها ، ينفي ما تتشدق به الولايات المتحدة بدفاعها عن الحريات وحقوق الانسان بسياستها المعلنة ، انها في الحقيقة مجرد تغطية على ما يمكن ان نسميه جرائم بحق ملايين او مئات الملايين من البشر الابرياء سواء فيما يتعلق بسياسات حكوماتهم او قراراتها التي لا تتوافق او ترضي الولايات المتحدة وتدفعها الى حصارها اقتصاديا .والمثال الاقرب ما حدث للعراق لاكثر من عشر سنوات من الحصار تركه على حافة المجاعة بجريرة نظامه وسياساته المعادية للولايات المتحدة التي لا شأن للعراقيين بها ، ولا يمكن اعتباره بكل المقاييس من الشعوب المعادية للولايات المتحدة ، ما اثبتته السنوات التالية لسفوط او انهيار النظام في العراق .

النقطة المحورية في الحصار او الحصارات ، يحق لامريكا او غيرها من الدول ان تدافع عن مصالحها ، وليس هناك اعتراضات على ذلك ، ولكنها تستخدم ابشع الطرق لحماية مصالحها واكثرها لؤما وكارثية على شعوب ودول اخرى متساوية مع باقي اعضاء هيئة الامم بالدفاع عن سياستها ومصالحها ،وضربها لاهداف مدنية تعطل الحياة وتعرقل النمو في هذه البلدان كما حدث في العراق ، ويحدث بين حين واخر في الاراضي الفلسطينية المحتلة الواقعة تحت حصارين اقتصادي وحربي مستمرا بين التشديد والتخفيف منذ انسحاب القوات الاسرائيلية من غزة بسبب الاستنزاف التي عانت منه منذ احتلالها له وتحويله الى ثكنة عسكرية ، تسببت بمشاكل لا حصر لها مما اضطر اسرائيل الى الانسحاب منها مرغمة .

 ما يحق لامريكا لا يحق لغيرها ، عندما تمارس اقصى الضغوط على الاعضاء غير الممتثلين للسياسة الامريكية اتجاه البلدان في الشرق والغرب والمعارضة لسياساتها سواء الاقتصادية او الحربية . ونتيجة لهيمنة امريكا خاصة على النامية ، لابد من البحث او ايجاد كوابح ملائمة لهذه السياسات التي تقترب من حدود الابادة لشعوب تنتمي الى قارات عديدة . فمن الضروري البدء بتكوين تجمعات اقليمية ككوابح للسياسة الامريكية اتجاه الشعوب والدول الضعيفة او النامية، بسبب تفرد الولايات المتحدة بالقوة وفرض هيمنتها الاقتصادية والعسكرية وتنفيذ حصارات تجارية واقتصادية تتسبب بماسي لا حصر لها كالمجاعات وتعطيل النمو والانصراف عن التعليم وتعميق عمالة الاطفال وانتشار الاوبئة والامراض وارتفاع نسب الجرائم والبطالة في المجتمعات والشعوب المحاصرة .

ويعتبر مجلس وهيئة الامم المتحدة مسؤولان عن تسويغ الحصارات سواء بالصمت عنها او تمريرها من خلال هذه الهيئات، وبما ان جميع اعضاء هاتين الهيئتين لمسوا نتائح الحصارات سابقا والان كما يحدث في ايران وكوريا الشمالية , لا بد من اجماع يحرم او يمنع الحصارات الاقتصادية على الشعوب والمجتمعات الممثلة دولها بهذه الهيئات لاسباب سياسية . بعد ان شهد اعضاء الهيئات الدولية النتائج الكارثية وغير الانسانية والماسي التي تتسبب بها الحصارات على مجتمعات وشعوب لا حول لها ولا قوة وليست مسؤولة عن سياسات الحكومات التي تحكمها او التاثير عليها لتغيير سياساتها بما يرضي الولايات المتحدة ويستجيب لمصالحها الانانية على حساب مصالح المجتمعات والشعوب الاخرى .

هذه الاشكالية واقعية وماثلة بوضوح لدى الجميع ، ففي حين كان الحصار التجاري والاقتصادي والعسكري يستهدف نظام الدكتاتور في العراق ، دفع ثمنه ونتائجة الباهضة المجتمع العراقي بجميع اطيافه واعراقه وفئاته ، وما زال رغم مرور عقد ونيف على الاطاحة بالدكتاتور ونظامة يعاني العراق من تداعياته على الاقتصاد والبنى التحتية والتعليم والاستثمار وسواها من النشاطات الاقتصادية والانمائية ، التي تقود المجتمعات الى النمو والاكتفاء والتعاون .

من الضروري السعي وتكثيف العمل والمشاورات بين اعضاء هيئة الامم المتحدة للتوصل الى تحريم استخدام الحصارات الاقتصادية اوالعسكرية اذا كانت تستهدف الشعوب المحاصرة ، ومحاولة ايجاد ما يفصل بينها وبين الحكومات التي يراد معاقبتها .لكي تكون الحصارات منصفة اتجاه الشعوب والمجتمعات المعنية وربما مساندة لها اذا كانت تستهدف انظمة دكتاتورية وقمعية تمارس الارهاب ضد شعوبها فلا شيء اكثر وطئة على الشعوب والمجتمعات من قمع الحريات العامة او ارهاب الدولة .

ولعل اهم ما ينتظر ان يأخذ به اعضاء هيئة الامم المتحدة تأمين حياة كريمة للمجتمعات او الشعوب المحاصرة اقتصاديا او عسكريا ، وان لا يمس الحصار الحياة المدنية والمعيشية لهذه الشعوب والمجتمعات وتأمين حاجتها من الغذاء وباقي  المتطلبات الانسانية للحياة ، لكي لا يتحول الحصار الى عملية تجويع وارهاب لهذه الشعوب والمجتمعات بيد الدول الكبرى او المتحكمة بالاقتصاد العالمي وتفوقها العسكري والمثال هنا امريكا الممسكة بعصا غليظة ضد الانظمة في الدول الاخرى غير المنصاعة لسياساتها واديولوجيتها المالية والاقتصادية وتهديدها الدائم لها بالتجويع والحصار .

لذا من الخطأ ان نسمي الحصار  التجاري والاقتصادي منه بشكل خاص كالذي تمارسه الولايات المتحدة ضد الشعوب والدول الاخرى : "ورقة ضغط" لانه يؤدي الى اذلال وتجويع الشعوب المحاصرة ، وبالامكان استخدام وسائل اخرى للضغط لتحقيق الاهداف السياسية او الاقتصادية، ان ارادت الولايات المتحدة تجنب تداعيات الحصار الاقتصادي ، والماسي الناتجة عنه التي لاتطال الانظمة المراد معاقبتها في الغالب ، انما الشعوب كعقاب جماعي عن سياسات ومواقف غير مسؤولة عنها ، تقررها حكومات لا تحترم الحريات العامة والحقوق الاساسية كحرية الرأي وحق التظاهر وتأسيس الاحزاب وسواها من البنود التي نصت عليها لائحة حقوق الانسان ، وتبنتها هيئة الامم المتحدة والمجتمع الدولي .

ما يعني ان مثل هذه الحصارات اذا تم تجاوز تداعياتها السلبية على الشعوب او الدول المحاصرة التي يستهدف الحصار حكوماتها ، ستكون مفيدة للتخلص من الانظمة الدكتاتورية التي لا تؤمن بالحريات العامة وحقوق الانسان الاساسية والاندماج في المجتمعات المدنية النامية . 

ولكن المشكلة ان الولايات المتحدة لا تقيم وزنا للشعودب والدول المحاصرة او تضع حدا فاصلا بينها وبين الانظمة القمعية المراد معافبتها ، مما يتسبب بماسي انسانية لا حصر لها لهذه المجتمعات والدول ، كما حدث في العراق ، ويضع الولايات المتحدة عرضة لانتقادات شديدة بسبب نتائج تلك الحصارات الكارثية على الشعوب والمجتمعات المحاصرة بجريرة انظمتها او عدم انصياعها للسياسات الامريكية ، ومصالحها السياسية والاقتصادية .

لذلك على التجمعات الاقليمية والمدنية اقناع الولايات المتحدة بضرورة التفريق بين الشعوب والمجتمعات الانسانية ، والانطمة التي تحكمها اي الفاقدة للشرعية كالانظمة الاستبدادية الجائرة التي تحكم شعوبها قسرا او الانطمة الدكتاتورية والقمعية التي لم تعد تنتمي لعصرنا على الصعيد السياسي والثقافي .