عزيمة المحتجّين العراقيين التي لا تُقاوم


عزيمة المحتجّين العراقيين التي لا تُقاوم

رنج علاء الدين

تتّسم الحركة الاحتجاجية في العراق بعزيمة كبيرة. فمنذ أشهر، يحتشد عشرات الآلاف من العراقيين في أرجاء بغداد والجنوب ضدّ الحكومة، مطالبين بخدمات أفضل ومساءلة وإصلاحات شاملة للدولة العراقية. ومنذ أن اندلعت الاحتجاجات، قُتل أكثر من 600 شخص وجُرح الآلاف غيرهم، تبعاً لمنظّمات حقوق الإنسان. وكان من المتوقّع أن تعلن تداعيات اغتيال القائد الإيراني قاسم سليماني خمود الحركة، لكن حتّى هذا الأمر لم يفلح في إنهاء بشكل حاسم ما يُعتبر الحشْد الشعبي الاجتماعي السياسي الأكبر في تاريخ العراق.

لا يمكن لوم العراقيين لرغبتهم في أن تقدّم حكومتهم أكثر مما تقدّم الآن. فالبلاد على شفير الانهيار الاجتماعي الاقتصادي نتيجة لازدياد في عدد السكّان الشباب والتراجع الاقتصادي والبنية التحتية المهترئة.  ومن المتوقّع أن يصل عدد السكّان الذي يفوق ثلاثين مليون شخص إلى خمسين مليوناً في غضون عقد من الزمن. وفشلت الطبقة الحاكمة في الاستجابة إلى مطالب الشعب وفقدت ببساطة المصداقية، لا بل القدرة، على طمأنة الشعب على الرغم من مئات المليارات من الدولارات التي أُنفِقت على مدى العقد المنصرم.

وقد ظنّت الطبقة الحاكمة العراقية بفظاظة أنّ خطر الإرهاب والحرب على تنظيم الدولة الإسلامية والتقاتل المذهبي يمكنها تحويل الانتباه عن إخفاقاتها في الحوكمة والفساد المستشري إلى ما لا نهاية (والمسموح به سياسياً). وقد استغلّت الطبقة السياسية خطاباً قوياً تَرسّخ في أوساط داعميها وفي بعض الدوائر السياسية في واشنطن والعواصم الغربية الأخرى يقارن شكاوى البلاد ونكباتها بالحالات المتطرّفة التي شهدتها الحرب الأهلية في فترة حكم حزب البعث. ونشر هذا الخطاب ذو طابع الإثارة فكرةَ أنّ العراق وحكومته منتعشَين. وترسّخت هذه الفكرة بشكل خاص في فترة حكم الحكومة الماضية برئاسة حيدر العبادي. بيد أنّها تجاهلت قضايا كامنة متجذّرة حفّزت جيلاً كاملاً من العراقيين التوّاقين إلى مستقبل أفضل.

لكنّ الفرص ليست في صالح المحتجّين العراقيين. فالبيئة غير مؤاتية لقيام تفكيك شامل (يليه إعمار) للدولة أو لنظامها السياسي، والجهاتُ الفاعلة البارزة في العراق والخارج التي تريد تغييراً ثورياً يقضي على النظام السياسي الذي نشأ بعد العام 2003 قليلةٌ جداً، هذا إن لم تكن غائبة. وربّما على المحتجّين العراقيين أيضاً القبول بواقع أنّ المجتمع الدولي منحازٌ إلى الطبقة السياسية العراقية (وإلى الميليشيات التي تقمعهم بشدّة حتّى) أكثر بكثير ممّا يخالون: فعلى المحكّ الكثير من الأمور، ويشوب بيئةَ ما بعد الحرب في العراق والمنطقة الكثيرُ من الغموض الخطير بشكل يحول دون تفكير أيّ جهة فاعلة خارجية بارزة في دعم محاولةٍ لتغيير النظام السياسي في العراق.

ويكمن جزء كبير من التحدّي للمحتجين في أنّ النظام السياسي العراقي مُصمَّم بشكل يجعله منيعاً تجاه أيّ إعادة هيكلة جذرية، إذ تسيطر مجموعة واسعة من الجهات الرسمية وغير الرسمية وجهات حكومية وشبه حكومية على هيكليات الحوكمة والسلطة وترسم معالمها وتديرها. وتعاني البلاد تراكماً ضخماً من السلاح والمجموعات المسلّحة وغيابَ المؤسّسات القابلة للاستمرار وسلطاتِ بديلةً متعددة تحلّ محل الدولة العراقية. ويقع الكثير من المناطق خارج نفوذ الحكومة وسلطتها، وهي مناطق تتوزّع فيها السلطة بين الأحزاب والميليشيات والقبائل ورجال الدين.

نتيجة لهذه الديناميات، وعلى عكس الاحتجاجات في الجزائر والسودان، على الأرجح أن تبقى النخبة الحاكمة في العراق في السلطة، حتّى لو بلغت الاحتجاجات الكتلة الحرجة. بمعنى آخر، النظام الحالي باقٍ، إلا في حال تدميره عبر اجتياح خارجي أو حرب أهلية في البلاد بأسرها (وهذا بحدّ ذاته يتطلّب فائزاً حاسماً) أو دكتاتورية أخرى تستلم زمام السلطة عبر انقلاب مثلاً (وحتّى عندئذ، قد يسوء وضع العراقيين أكثر).

وما يجعل الوضع خطراً للغاية على المحتجّين هو مستوى الحصانة الذي تتحلّى به الميليشيات والقوى الأمنية التي تسمح بها الدولة في قمعها المدنيين. فالعراق واقع تحت سيطرة ميليشيات غير خاضعة للمساءلة تتمتّع بسلطة ونفوذ هائلَين، ويُعزى ذلك في جزء كبير منه إلى أنّ هذه المجموعات استغلّت هشاشة الدولة العراقية وجمعت كمّيات كبيرة من السلاح والموارد الأخرى واستفادت من الرعاية الخارجية من إيران واستغلّت كلّ ذلك لكسب التفوّق السياسي.

فقد تأسّست قوّة الحشد الشعبي التي يبلغ عديدها مئة ألف عنصر مثلاً كَردٍّ على انهيار الجيش العراقي، عندما استولى تنظيم الدولة الإسلامية على الموصل في العام 2014. وهي خاضعة لمجموعات مؤيّدة لإيران تشكّل رأس حربة القمع الجاري بحقّ المحتجّين. وقوّة الحشد الشعبي هائلة لدرجة أنّها ضمّت الجيش التقليدي العراقي. وفي حال كان من الممكن أن يتصوّر المرء يوماً أنّ الجيش سيحمي المحتجّين من فظائع الميليشيات الشيعية، من الأكيد أنّ الأمر ما عاد ممكناً.

وكان الفكر السائد قبل الأزمة الراهنة أنّ الحشد الشعبي قوّة غير متجانسة تضمّ مجموعات قوميّة أو مؤيّدة للدولة ستحول دون استئثار الجهات الوكيلة لإيران بالسلطة، وهي مجموعات ستؤدّي دور الحاجز الذي يعزل الشعب العراقي عن العنف والفظائع. لكنّ الآمال المعقودة على تعددية الطبقات التي اتّسمت بها قوة الحشد الشعبي أتت في غير مكانها. فالواقع هو أنّه ما من جهة قارعت الجهات الوكيلة لإيران في عزمها وضراوتها الشديدين في استغلال مؤسّسات قوية كقوّة الحشد الشعبي كأداة لها والاستئثار بها. وقد تمّ الاستخفاف بذلك بشكل كبير في تحليل هذه المجموعات.

وتتضاءل الفرص أكثر فأكثر للمحتجّين لأنّهم فقدوا العنصر الأهم الذي يَقيهم من الميليشيات المسؤولة عن قتل المدنيين وجرحهم. فقد كان مقتدى الصدر والحركة الصدرية التابعة له عنصرَين غاية في الأهمّية في حمايتهم من هذه المجموعات. لكن في الأسبوع الماضي أبرم الصدر اتّفاقاً مع الحكومة العراقية والجهات الوكيلة لإيران أفضى إلى سحب دعمه. وتعني طبيعة الحركة الاحتجاجية غير المتبلورة بعد أنّ أعدادها ستزداد. بيد أنّ الفكرة بأنّ الحركة يمكنها الصمود والاستمرار من دون الغطاء الحامي الذي تؤمّنه جهة واحدة على الأقلّ من الجهات السياسية الأبرز في البلاد فكرةٌ خطيرة للغاية واحتمالاتها ضئيلة للغاية.

مع قول ذلك، قد تنتعش بعض حظوظ المحتجّين. فالعراق معروف بتحالفاته واتفاقاته السياسية الهشّة. بالتالي، إن كان في وسع المحتجّين التعويل على أمر ما فهو الفرص التي قد تبرز نتيجة الطبيعة المشاكسة للمشهد السياسي. وينبغي على المحتجّين حشد الدعم بسرعة من جهة سياسية عراقية بارزة واحدة على الأقلّ عقب سحب الصدر دعمَه. وقد يطال ذلك أيضاً مؤسّسات مهمّة على غرار الجيش العراقي ذي التدريب الأمريكي الذي حارب الجهات الوكيلة لإيران في الماضي. وعلى الرغم من أنّ تدخّل الجيش ما زال مستبعداً فهو ليس غير محتمل، ولا سيّما إن برز بعض الدعم النشط من جهات فاعلة خارجية على غرار الولايات المتحدة.

بيد أنّ المقاربة الصفرية النتيجة التي تعتمدها الحركة، عبر الدعوة لتغيير شامل للنظام السياسي، تجعل منها العدو الأسوأ لنفسها. فغياب الجهد المُنظّم لاستقطاب دعم ملحوظ من الساحة السياسية العراقية يجعلها شديدة الهشاشة وعرضة للقوى المؤذية. زد على ذلك أنّ الاحتجاجات ليست منفصلة عن ديناميات محلّية وإقليمية أخرى، بما في ذلك التوتّرات بين الولايات المتحدة وإيران. فقد تبع الهجوم الصاروخي على السفارة الأمريكية الذي شنّته ميليشيات الأسبوع الماضي مباشرة قمعاً عنيفاً للمحتجّين. فيمكن أن يمنح صراعٌ أوسع بين الولايات المتحدة وإيران أو احتداماتٌ أخرى الجهات الوكيلةَ لإيران تغطيةً ممتازة لشنّ حملة عنيفة واسعة تهدف إلى إنهاء الاحتجاجات بشكل حاسم. وقد يتمّ تحديد مصير المحتجّين بعيداً عن عدسات الإعلام: عبر الاتفاقات في الغرف الخلفية والاغتيالات والخطف والهجمات المتفرّقة التي تُشنّ سرّاً.

ستكون الأسابيع المقبلة شديدة الأهمية لمعرفة ما إذا كانت الحركة الاحتجاجية في العراق قادرة على المحافظة على زخمها، وبشكل أهمّ قادرة على تحقيق على الأقلّ بعض الأهداف التي تركّز على تحسين الحوكمة وإصلاح الدولة. وقد تلجأ الحكومة أكثر فأكثر إلى العنف، لكنّ الدراسات لبعض الحالات حول العالم والأبحاث حول الحركات الاحتجاجية تُبيّن أنّه على الرغم من أنّ الإكراه قد يخفّف من الاحتجاج لفترة، هو بعيد البعد كلّه عن إنهائه. فعلى المدى الأطول، يزيد الإكراه من الخلاف الذي يسمح للحركات الاحتجاجية بإنعاش ذاتها. بالتالي، في كلّ مرّة تلجأ الحكومة العراقية فيها إلى الإكراه، سيكيّف المحتجّون على الأرجح استراتيجياتهم تبعاً لذلك ويقوّون عزيمتهم نتيجة لذلك.

مركز بروكنجز


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.