قبل إستئناف التفاوض !!


قبل إستئناف التفاوض !!

زهير السراج

مِن حق اى شخص ان يختلف فى الرأى مع الآخرين، وأن يعبر عن رأيه بحرية كاملة بمختلف الوسائل السلمية التى يكفلها القانون .. مقالات، خطب، مواكب، تظاهرات ..إلخ، ولكن أن يهدد باغراق الشوارع بدماء من يخالفونه الرأى إذا لم ينصاعوا لرأيه، فهى جريمة كبرى يعاقب عليها القانون، وكان يتوجب على السلطات ان تفتح بلاغا تحت القانون الجنائى ضد مرتكب هذه الجريمة وتقديمه الى العدالة وإيقافه عند حده، ولكن للاسف لم يحدث شئ من ذلك وكأن السلطات يعجبها أن يَسفك الدماء ويُغرق البلاد في الفوضى !!

* مَن يعتقد ان هذا التهديد مجرد (كلام) فهو لا يدرك مدى خطورة الجماعة او (الجماعات) التى اطلقتها، وارتباطاتها الخارجية والأموال الضخمة غير معروفة المصدر التى تحصل عليها، والكوادر المتطرفة المخدوعة التى تأتمر بأمرها واستعدادها لفعل اى شئ تُؤمر به، والظروف الصعبة تواجهها الجماعات المتطرفة في دول الاقليم مما وضعها فى ركن ضيق وجعلها في حالة بحث عن ملاذ جديد ييسر لها ممارسة أفعالها الإجرامية، ولا اعتقد ان هنالك من يختلف معى حول ملاءمة الظرف السودانى في الوقت الحالى لاحتضان التطرف الدينى والجماعات المتطرفة التى ظلت تتنقل من دولة لأخرى كلما ضاق بها الحال، كما رأينا في العراق، وسوريا، وليبيا ومصر !!

* ليس من المستبعد اطلاقا ان تنتقل هذه الجماعات المتطرفة الى السودان وتتخذه ملاذا وقاعدة لعملياتها الإجرامية، بتحريض من الجماعات المحلية المتطرفة التى ترتبط بها وتتمتع بالثراء الواسع والنشاط التجارى الكبير في كل شئ مشروع وغير مشروع .. وتلعب الآن دور الضحية وتمارس مسرحيتها المفضلة بالدفاع عن الدين الاسلامى الذى يتعرض لمؤامرة (في بلد جل اهله مسلمون) باحتكار العلمانيين للسلطة، مما يدفع شركاءها لتوسيع دائرة الشراكة والانتقال الى السودان ــ ليس بغرض حماية الشريعة ــ وإنما لتوفر الملاذ الآمن والمناخ المناسب لممارسة اعمالها الاجرامية وحماية مصالحها، وخلق حالة من الفوضى توفر لها اكبر قدر من الانتشار وتحقيق اهدافها!!

* لقد كان امرا في غاية الاهمية والضرورة، ولا يزال، التعامل بجدية وحسم مع التهديدات التى اطلقها البعض باغراق البلاد في الدماء، قبل ان تتحول هذه التهديدات الى واقع مأساوى وفوضى عارمة يتوق إليها الذين يحلمون بها وكانوا يهددونا بحدوثها إذا تغير نظام الحكم في البلاد، خاصة مع احساسهم العميق بالخطر الشديد من انتقال السلطة الى حكومة مدنية تحاسبهم على فسادهم وجرائمهم وتهدد مصالحهم، بالإضافة الى (الجنون العقلى) الذى يهيئ لبعض المتطرفين انهم وكلاء الله في الارض يجوز لهم فعل كل شئ لحماية انفسهم ومصالحهم وافكارهم المتطرفة باستخدام كافة الوسائل المتاحة لهم، كما جاء في بيان جماعة (نصرة الشريعة والقانون) والخطب التى وجهها البعض من منابر بعض المساجد في الايام الماضية، خاصة بعد اعلان المجلس العسكرى وقوى الحرية والتغيير عن التوصل الى اتفاق حول معظم القضايا، مما أثار غضبهم فشرعوا يوجهون الاساءات والتحذيرات والتهديدات باغراق البلاد بدماء من أسموهم باليساريين والعلمانيين والكفرة الفجرة!!

* وبدلا من ان يتعامل معهم المجلس بالقانون ويحذرهم من مغبة التمادى في التهديدات، رضخ لهم وقام بتجميد التفاوض مع قوى الحرية والتغيير بذرائع ساذجة، وأعطاهم مهلة ثلاثة أيام (وليس لقوى الحرية والتغيير) ليظهروا قوتهم فى الشارع، فلم ينجحوا الا في حشد بضع مئات من المواطنين، رغم الدعاية الاعلامية الواسعة من إحدى الفضائيات العربية التى تجتهد لإضعاف المجلس العسكرى وتعكير العلاقة بينه وبين قوى الحرية والتغيير وإفشال المفاوضات، خدمةً لمصالح دولتها التى تتهم المجلس (بدون ان تفصح عن ذلك) بالانحياز للحلف المضاد لها، بالإضافة الى محاولة إيجاد موضع قدم لحلفائها (الكيزان) في المشهد السياسى خلال الفترة القادمة، ولقد كان من اللافت للنظر حديث احد قادة الجماعة بان غالبية اعضاء المجلس رافضين للاتفاق مع قوى الحرية والتغيير، بدون أن ينفى المجلس هذا الحديث الخطير !!

* مرة ثانية اقول واكرر، ان من حق اى شخص او جماعة او جهة التعبير عن رأيها بكل حرية والاختلاف مع الآخرين، والمطالبة بتطبيق الشريعة او غيرها من القوانين، ولكن بدون التهديد بالقتل واغراق الشوارع بالدماء .. فهذه جريمة فادحة يجب أن يؤخذ مرتكبها بكل الجدية والحزم حسب نصوص القانون، وإلا صارت البلاد مطية للعنف والارهاب والارهابيين !!


19 مايو، 2019