لبنان: المهمة الأخيرة إسكات الإعلام


لبنان: المهمة الأخيرة إسكات الإعلام

حازم الأمين

 في بلد لا وظيفة فيه لرئيس الجمهورية سوى تعطيل أي محاولة لانعقاد الحوكمة، ولا وظيفة فيه لمجلس النواب سوى السهر على سمعة حزب الله، ولا حكومة فيه أصلاً بسبب الحزب والرئيس، تبادر لجنة الإعلام في البرلمان، والتي يرأسها نائب من حزب الله، إلى استدعاء ممثلي وسائل الإعلام لتهديدهم بسبب اتهامات طالت الحزب بالوقوف وراء جريمة اغتيال لقمان سليم! الجريمة نفسها لم تستدع خطوة موازية. لم يستدع مسؤول أمني للاستماع إليه حول تفاصيل الجريمة! وثمة إجماع على أن أحداً لن يكشف هوية الجناة، وأن الواقعة ستنضم إلى عشرات غيرها ممن حفظت في أدراج المحققين، ولم يتجرأ أحد على متابعتها. وما بقي من الجريمة هو أن وسائل إعلام اتهمت حزب الله بالوقوف خلفها!

ولبنان هذا يعيش في ظل عدد هائل من الفضائح المتناسلة التي أذهلت العالم بوضوحها وانكشافها، في وقت لم يرف جفن لهذه الطبقة السياسية الغارقة بالسوء وبالفساد والارتهان، وهي اليوم اذ تجاهر بحقيقة أنها مستتبعة لحزب السلطة ولا وظيفة تؤديها سوى صد الهجمات عنه، تعرف تماماً أن لا خيار أمامها للحفاظ على موقعها سوى بتولي هذه المهمة. أما الحزب، أي حزب الله، فهو بدوره يراكم طبقات إضافية من السوء عبر لجوئه إلى هؤلاء لدرء التهمة ولتكريس النفوذ.

لكن حزب الله نجح في أمر آخر أيضاً. نجح في توظيف خصومة في معركة صد الهجمات عنه. خصومة الذين يؤمنون له نصاباً سياسياً هو المنصة الرسمية التي تتولى امتصاص التهم والهجمات. المجلس الوطني للإعلام، وهي الهيئة التي هالتها هجمات وسائل الإعلام على الحزب في أعقاب مقتل لقمان سليم وتولت تقريع المحطة التلفزيونية التي ظهرت هذه الاتهامات على شاشتها، هو مجلس مشكل من قبل سلطة سياسية لخصوم الحزب في الحكومة والبرلمان حصة فيها. ولجنة الإعلام في البرلمان أيضاً، لكن لا أثر لهذا الوجود في أداء هاتين الهيئتين. 

ما قالته ممثلة تلفزيون الجديد السيدة كرمة خياط في أعقاب جلسة التقريع في مجلس النواب كاشف على هذا الصعيد. قالت إنها استدعيت هي وزملاؤها مرتين إلى هذه اللجنة، وفي الحالين كان سبب الاستدعاء هو حزب الله. وقالت أيضاً أنها في المرة الثالثة ستتواصل مباشرة مع الحزب ولا داعي للمرور عبر هذه اللجنة!

هذا الكلام لا ينطوي على إهانة للمجلس النيابي، انما خصوصاً على إهانة لخصوم حزب الله في هذا المجلس، ذاك أنهم هم من يتولى جعل المحاسبة سياقاً برلمانياً لا حزبياً. هم من تجري هذه الوقائع تحت أنظارهم من دون أن يحركوا ساكناً، وهم أنفسهم من يعود ويترشح إلى الانتخابات ويفوز بوصفه خصماً للحزب. وأي خصومة هذه، تلك التي تتولى مد الخصم بشرعيه المحاسبة في ظل كل هذه الفضائح التي تحاصره؟

سعد الحريري ووليد جنبلاط وسمير جعجع يؤمنون لحزب الله نصاباً سياسياً لسلطته في البرلمان وخارج البرلمان. ما جرى بموضوع لجنة الإعلام البرلمانية هو أحد هذه المحطات. علماً أن النصاب السياسي الذي نتحدث عنه تولى مهاماً أكثر قذارة، ليس آخرها تعطيل التحقيق في جريمة انفجار المرفأ، ومنع المباشرة بالتحقيق الجنائي للكشف عن فضيحة الإفلاس المالي في مصرف لبنان. وهنا ينعقد ثالوث الفساد على نحو محكم. الصمت هنا هو ثمن للصمت هناك. حزب الله يُمرر الفساد في مصرف لبنان في مقابل تمرير الحريري ونبيه بري، وطبعاً ميشال عون، له حقيقة إمساكه الفعلي بالسلطة الحقيقية. هذا هو لبنان، وهذه هي معادلة السلطة فيه. 

لكن لكي تكتمل المعادلة استوجب الأمر تعطيل دور وسائل الإعلام، أو ما تبقى فيها من قدرة على المقاومة. 

شهد الأسبوع المنصرم هجمة شرسة على الإعلام في لبنان. المهمة كانت الإتيان على آخر مواقع مقاومة السلطة، ذاك أن المقبل من الأيام سيشهد الفصول الأخيرة من الانهيار اللبناني، وهذا يتطلب صمتاً كاملاً عن المرتكب الذي صارت هويته مكشوفة ولا لبس فيها. فالسلطة سترفع الدعم عن السلع الغذائية، وهذا يعني أن الجوع قدر لا مفر منه. المطلوب اذاً هو صمت الجياع وقبولهم بالموت، وهذا الأخير لن يكون تشبيهاً أو استعارة لغوية، بل واقعاً بدأت فصوله تظهر. أما الطبقة السياسية، وعلى رأسها اليوم حزب الله وشركاؤه الحريريون والجنبلاطيون والجعجعيون، فلكل منهم ثمن سيتقاضونه طالما أنهم في مواقعهم في مجلس النواب وفي الحكومة. 



تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.