لماذا الخوف من المظاهرات؟


لماذا الخوف من المظاهرات؟

قيس العذاري

بعد ثلاث سنوات تقريبا سوف تطوى صفحة الحكومة الحالية ، وينزل المواطنون لانتخابات جديدة تؤسس للحكومة الخامسة على التوالي منذ تغيير نظام الحكم العام 2003 ، لماذا اذن الخوف من سقوط الحكومة الحالية برئاسة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي؟ فقد جاءت الحكومة اثر الانتخابات العامة، وستتغير بعد الانتخابات القادمة وما تفرزه من نتائج جديدة، اي انها ليست حكومة دكتاتورية او حكومة ابدية وباقية وانما ستتغير حتما مع كل دورة انتخابية جديدة . 

اذن لماذا قمع المتظاهرين ، وهم من جاءوا بالحكومة؟

وبما انها ستتغير في الانتخابات القادمة ، لا توجد ضرورة لقمع المتظاهرين المطالبين باسقاطها ، طالما يعتقد المحتجون انها لم تلب مطالبهم المشروعة او يعتقدون بتقصيرها بتلبية الحاجات الحياتية الاساسية كالخدمات والعمل ومكافحة الفقر والامية والفساد الذي تصدرت مكافحته جميع المطالب على مدى اكثر من ثلاث دورات انتخابية ،دون ان تتحقق نتائج ملموسة ومقنعة للمتظاهرين ، ولا شك ان الفساد المتهم الاول بمصادرة حقوق المواطنين بحياة ذات مستوى متوسط من الرفاهية التي توفره موارد العراق الضخمة .

لا توجد في عصرنا ديمقراطيات لم تسقط حكوماتها ، سواء نسبت الى الانظمة الديمقراطية الجديدة والقليلة التجربة او العريقة ، ولدينا مثالان يخصان اعرق الانظمة الديمقراطية التي عرفتهما الشعوب في التأريخ : بريطانية والولايات المتحدة . ففي بريطانية حكومة جونسون مهددة بالسقوط نتيجة الخلافات السياسية حول معاهدة بريكست ، قد تؤدي في حال عدم قناعة المواطنين في بريطانية بقائدتها لهم ، وكذلك حكومة ترامب مهددة بعزله نتيجة لما يعرف بقضية اوكرانيا وتسريب محادثة هاتفية اعتبرت في بعض الاوساط السياسية في الكونغرس الامريكي انها لا تخدم المصالح الامريكية او مضرة بالسياسات الامريكية ومصالحها على نطاق محدود لا يستوجب عزله او اقالته .

مع ذلك لا يوجد خوف من مثل هذه العقبات والانتكاسات في الانظمة الديمقراطية ، لان هذه الانظمة غير ابدية ومتغيرة مع كل دورة انتخابية جديدة ، ولا تؤثر على النظام العام بشكل او باخر ، فان لم تسقط الحكومة لسبب ما سواء كان سياسيا او امنيا او اقتصاديا فانها ستتغير في الانتخابات القادمة ،وتحل محلها حكومة جديدة محملة بتجارب جديدة استقتها من اخفاقات الحكومات السابقة .

ولا توجد ضرورة لقتل المتظاهرين والمحتجين ، لان الحكومات القائمة منتخبة من المواطنين ، ومتغيرة منهم كذلك سواء سقطت بدافع جماهيري ما ام لم تسقط واكملت دورتها الانتخابية المقررة ، لذلك لا ندرك او نفهم كل هذا العنف الذي رافق احتجاجات المواطنين في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب ، ونسأل بدورنا مرة ثانية لماذا العنف؟ هل حكومتنا دكتاتورية وباقية في السلطة الى "الابد" ام منتخبة ومتغيرة لا محال قبل اكمال دورتها الانتخابية او بعدها؟ تلك اسئلة نضعها امام المسؤولين عن اصدار اوامر اطلاق الرصاص الحي ضد المتظاهرين ، لانها تعد من الجرائم التي يحاسب عليها القانون ، وتعتبر من العوامل الرئيسية للارتداد على النظام لانه نظام ديمقراطي افرز ما افرزه بواسطة انتخابات حرة وديمقراطية ليست باقية في السلطة او مؤبدة فيها .

من الصعب احيانا ان نفهم دوافع العنف والقتل ، ولاشك ان وراءه دوافع قد نجهلها ولكننا يمكن اجمالها بالتالي : جهل الاجهزة الامنية او بعض قياداتها بفحوى النظام الديمقراطي ، لان المظاهرات لم تهدد نظام دكتاتوري وانما متغير مع كل دورة انتخابية جديدة ، واندساس عناصر مسيئة بين المتظاهرين ، واخيرا بدوافع وتشجيع من دول خارجية او اجنبية ، ترى بتهديد النظام في العراق تهديد لها واستقرارها الامني والسياسي، ولكن جميع هذه الاسباب ومبرراتها فاشلة وتنطوي على جهل بفحوى النظام في العراق ، لان الحكومات في الانظمة الديمقراطية متغيرة ، والشعب الذي انتخب الاحزاب والتيارات المشكلة للحكومة من الممكن ان يسقطها او يمهلها لحين انتهاء دورتها الانتخابية المقررة .

يمنع القتل في الانظمة الديمقراطية ، وكذلك القمع لاسباب سياسية ، فالحكومة التي يرفضها الشارع الذي يمثل بشكل او باخر جميع فئات المجتمع عليها الاستقالة . ولا يجيز لها الدستور استخدام الاجهزة الامنية والعسكرية كأدوات لقمع المواطنين لانها ستذهب غدا وبعد غد تأتي حكومة جديدة وفقا لما تقرره نتائج الدورة الانتخابية الخاصة بكل حكومة منتخبة .ومثل هذه الاعمال مخالفة للدستور الذي اعطى الحق بالتظاهر والاحتجاجات السلمية ويحاسب عليها القانون، لانها تؤدي الى صراعات داخلية عنيفة وفوضى وثارات يصعب السيطرة عليها ،تؤدي الى اطاحة الديمقراطية المزعومة في العراق .

 وتعتبر هذه الانتكاسة اضافة جديدة لفشل النظام والحكومات السابقة والحالية بمكافحة الفساد ورفع المستوى المعيشي للمواطنين وتوفير الخدمات وغيرها من الاخفاقات والانتكاسات التي ادت الى الاتفجار الاخير الذي ذهب ضحيته عشرات الشباب ومئات الجرحى والمصابين غدرا على يد مجرمين متخفين وظاهرين سواء في القوات الامنية او الفصائل المسلحة التي ما زالت في دائرة الشبهة ومشاركتها من عدم مشاركتها في تلك الاحداث المؤلمة التي جرحت مشاعر اكثرية المواطنين اتجاه ما حدث بدون وجود ضرورة لاستخدام العنف والقمع ضد مواطنين سلميين يطالبون بحقوقهم . دون ان تلقى الاستجابة من الحكومات المتعاقبة والمسؤولين وادت الى انفجار التظاهرات والاحتجاجات في العاصمة بغداد ومحافظات الوسط والجنوب على نطاق واسع .

وهذا لايعني ان محافظات كنينوى شمالا ومحافظات غرب العراق بعيدة عن ما حدث في العاصمة وباقي المحافظات ولكن الظروف القاهرة التي تمر بها بعد تحريرها من الارهاب ،منعت مشاركتها او اجلت مشاركتها بعد فشل الحكومات في تلبية الحد الادنى من المطالب على مدى اربع دورات انتخابية . فهي فاشلة ولا ضرورة للاستمرار باعادة الفشل، طالما ان النظام الديمقراطي يؤمن الانتقال السلمي للسلطة ، ويمكن من خلاله  اسقاطها او تغييرها سلميا بواسطة انتخابات جديدة . وما يمنع حاليا من اسقاط حكومة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي انها حديثة العهد لم يمض عليها سوى سنة واحدة وهناك ضرورة لاعطائها المزيد من الفرص للتغيير ،وتحقيق ما يمكن تحقيقه من مطالب المتظاهرين وأولها مكافحة الفساد الحزبي والرسمي المستشري في الوزارات والدوائر والمؤسسات الرسمية .

ولان اكثرية المشاكل والمعضلات موروثة من الحكومات السابقة بحاجة الى وقت لتدارك سلبياتها على عمل الحكومة وخططها للاصلاح . وحكومة عبد المهدي تبدو جادة بتلبية مطالب المواطنين من خلال الحزم الاصلاحية التي اقرتها حكومته ، وينتظر تنفيذها باسرع ما يمكن لكي تثبت حكومته بانها تعمل من اجل مصالح المواطنين اولا وليس لاجل الاحزاب والتيارات السياسية والدينية الفاسدة ، التي لعبت دورا مخربا لاقتصاد البلاد واعاقة تقدمه ورفاهية مواطنيه طيلة الدورات الانتخابية السابقة . 

وبينت التظاهرات ان اغلب المشاركين فيها من فئة الشباب غير المعاصر للانظمة الدكتاتوربة السابقة "16 ، 24 سنة" ويتميز بالوعي والادراك لحقوقه المشروعة التي اقرها الدستور ، وطالب ويطالب بتنفيذها عاجلا او اجلا ، ويمتلك السلاح الفعال لاسقاط اي حكومة لا تلبي حقوقه ومطالبه الدستورية .

23.10.2019

قيس ال ابراهيم العذاري