"مصر العربيَّة" وإنتاج خارطة سياسية جديدة


"مصر العربيَّة" وإنتاج خارطة سياسية جديدة

رانية عبد الرحيم المدهون

قَرُبت ملامح الخريطة السياسية المصرية الجديدة على الإنتاج؛ بعد ما يقرب من العام ونصفه من المد، والجذر؛ من الثورة، واستلابها؛ من الحِراك الوطني الحقيقي، واللعب على التناقضات.
والسؤال الذي لا يقوى على انتظار نهاية العرض؛ هل الخريطة السياسية الجديدة لمصر؛ كما تبدو إلى الآن؛ تُمثِّل انعكاسًا حقيقيًا للخرائط الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية للشعب المصري؟! وهل ستتفاعل هذه الخريطة مع المدى القومي لمصر؟!
لقد تعرَّضت مصر وشعبها، خلال الفترة ما بين اندلاع ثورة 25 يناير واليوم، إلى كل أنواع التزييف المُستَتِر، والتغييب المدروس؛ ولكن بآليات جديدة عن آليات النظام السابق المُعتَمَدَة.
فقد استَخدم أصحاب المصالح المتقاطعة تزييف الوعيْ، والترويع بمُتَحدَثَة " البلطجة"، وشبح أزمة اقتصادية أكثر حِدَّة، من المُكرَّسة منذ عقود؛ إلى جانب تشويه مضامين الثورة، والتظاهُر، والمُطالَبَة بالحد المناسب من الحقوق؛ إضافةً إلى "تبخير الثورة"؛ كما أطلق أحد المحلِّلين المصريين الأكاديميين المرموق، على إفقاد الثورة لمساراتها المحسوبة؛ واستنزاف طاقات الثُوَّار في مليونِيَّات واهِمة، لا تُأتي بأُكُل، ونثر الأمل في التغيير، عبر مهبَّات رياح استهلاك كل الوسائل المتاحة لذلك التغيير.
وبغض النظر؛ من هم أصحاب المَصالِح المتقاطعة؛ داخليًا، وإقليميًا، ودوليًا - والذين تكاتفت قواهم الهدَّامة لحلم الثورة؛ ولم يجتمعوا إلا على إفشالها؛ ساعدهم في ذلك الأغبياء، والمموَّلين، ومُتصَدِّري شاشات الإعلام – فقد كان ميراث عهد مبارك؛ من التجهيلِ، والتيئيسِ، والترويع؛ والاغتراب عن المدى العربي لمصر؛ أرضًا خصبة لاستقبال كل ما صدَّره هذا الجمع من أصحاب المَصالِح.
والمُفارَقةُ هنا؛ كيف نُعِتَتْ مصر بـ "العربيَّة"؛ منذ بواكير تاريخها؛ وعلى مدى تطوُّرها السياسي؛ وفي الوقت نفسه استطاع نظام مبارك النيْل من حقيقة عروبتها؟! وكيف أقنع ذلك النظام شعب مصر بعدم عروبته؛ وأسقطه في بئر الحيرة؛ ما بين أصل فرعونيْ، وآخر قبطيْ، وثالث إفريقيْ؛ فيما تلوحُ حقيقة تعريب مصر من عصورٍ قديمة الأزل؟!
لقد راهَنَّا بعد تنحي مبارك على فِطرة الشعب المصري المثابِر؛ وقُدرته على تحمُّل أصعب الظروف؛ وتوقهُ إلى حياة أقل عناءً، وأكثر حريَّة، تعُمُّها أبسط درجات العدالة الاجتماعية؛ راهَنَّا على الشعب المُسالِم، المُحِب لوطنه، الآمِل في غدٍ أفضل.
لكنَّنا في الآن ذاته؛ أكَّدنا أن هذا الشعب قد سار في طريق؛ يجب عليه إكماله؛ وإلا فستَنتَكِس الروح المعنويَّة لهذا الشعب؛ وسيأخذ مسارًا عكسيَّا؛ ويعود في هيئة أكثر شراسة، ويأس، وإحباط.
لقد استكان الشعب المصري لأربعة قرون؛ لم يتحرَّك له ساكِن إلا في حدود القليل من الفئات؛ كان ذلك على الرغم من الظروف الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية الصعبة التي عاشها؛ فهل سيكون لهذا الشعب، أي قُدرة، على اجتياز أي حِراك جديد؟!
إن الثورة؛ بشكل عام؛ هي إحداث تغيير جذري؛ والانتقال من وضعِيَّة إلى وضعِيَّة أفضل؛ وهذا ما لم تُحقِّقهُ الثورة المصرية إلى الآن؛ بعد أن تم سرقتها؛ وتلويثها؛ ومسخها.
ولكي يحدث في مصر هذا التغيير الجذري؛ لهذا الكم الهائل من الملايين؛ وظروفِهِم؛ وأوضاعِهِم؛ يجب اجتياز عمليَّة تفكيك محسوبة؛ ومُراقَبَة؛ لكل المنظومة الثقافية بدايةً؛ تليها تراكمات من العمل الوطني، على كافة المستويات؛ الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية.
كما يجب إرجاع مصر لمداها العربي؛ بعد أن تم تهجينها بالعديد من عمليات تزييف الوعي؛ التي أضاعت ملامحها؛ وشوَّهت هويتها الطبيعيَّة؛ وأتاهت خطواتها ما بين عتبات تاريخ؛ اقتُطِعَت مثل أحلام ألف ليلة وليلة من صحواتِ الجغرافية.
على من يقود مصر إلى حيث تستقر مصالِحهُ؛ أن يعي أنه يقود وطنه إلى الهاوِية؛ ويقود شعبه إلى إحدى خيارَيْنْ؛ إما التطرُّف ؛ أو المزيد من الخنوع!