مفهوم مزاد العملة الأجنبية في العراق.. من المستفيد من إهدار العملة؟


مفهوم مزاد العملة الأجنبية في العراق.. من المستفيد من إهدار العملة؟

الباحثة شذى خليل*

بعد عام 2003 تبنّى العراق نظام اقتصادي مختلف، إذ تحول من الاقتصاد الاشتراكي الى اقتصاد السوق المفتوح الذي أكده الدستور وشرعه الحاكم المدني “بول برايمر” في عام 2004، ويعد المزاد الوحيد في منطقة الشرق الأوسط، وذلك ضمن مساعيه لرفع قيمة الدينار العراقي، وكانت عمليات البيع تبلغ أكثر من 200 مليون دولار في بعض الأحيان، وهذا المبلغ هو عادة من إيرادات النفط العراقي المباع.

لكن من الصعب لأي اقتصاد في أقوى الدول التحول من النظام المركزي لجميع القطاعات وإشراف الدولة المباشر، الى النظام اللامركزي دون ضوابط وخطط للوزارات المعنية، حيث كانت أفرزت اللامركزية الفوضى وضعف الدولة وانعدام الولاء للدولة العراقية، ونشأت المافيات بكل قطاعات الدولة للسرقة والهيمنة، وكانت حاضنة لظاهرة غسيل الأموال، نظرا لشمول الحرية الاقتصادية للقطاع المالي والمصرفي.

ولتوضيح مفهوم مزاد العملة، نقول انه عبارة عن سوق للعملة الأجنبية يلتقي فيها الطلب على هذه العملة بالعرض منها ومن ثم يتكون سعر الصرف، وقد ظل سعر صرف الدينار العراقي مستقراً لفترة طويلة بسبب استخدام الحجم المتزايد من العملة الأجنبية في توفير المرونة والاطمئنان في مقابل الطلب.

إن عملية تحديد سعر الصرف يجب ان تجري بسلاسة لأن عرقلتها ستؤثر على الطلب على الدولار والطلب الذي ستتم عرقلته سيشبع من السوق وسيكون هذا الإشباع بسعر صرف أعلى، وبالتالي يحصل الارتباك في السوق ويكون هذا مقدمة لتعدد أسعار الصرف، الأمر الذي يعرقل اتخاذ القرارات الاقتصادية وتنفيذها.

ولأجل ان تقوم المصارف بمهمتها من جانب الطلب، تقوم بإيداع حسابات لها في البنك المركزي تستخدمها لأغراض السياسة النقدية بشكل عام، ومزاد العملة الأجنبية بشكل خاص، وهذه الحسابات تكون قد دققت في المصارف نفسها والتي تحتوي ضمن تشكيلاتها الإدارية على دائرة لتدقيق غسيل الأموال.

على الرغم من ان المزاد يستخدم في غالبيته من قبل تجار الاستيراد عن طريق مصارفهم التجارية، إلا أنه لابد من التأكيد بأنه سياسة نقدية، لأنه يسحب الدينار العراقي من السوق، الأمر الذي يقلل من ضغط السيولة النقدية وتأثيرها على التضخم.

ويقدر مراقبون ومسؤولون عراقيون قيمة ما تم بيعه من الدولار في هذا المزاد خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية بأكثر من 300 مليار دولار، خرجت أغلبها من العراق إلى دول أخرى دون أن تحقق منفعة للدينار العراقي وقيمته التي ما زالت تحت الحد المنطقي لخامس أكبر منتج نفطي في العالم؟

وهكذا أصبح مزاد العملة النافذة الرسمية لإهدار العملة الأجنبية في البلد وللفساد المتعدد الاشكال.

ان عملية شراء العملة الأجنبية هي عملية نقدية بحتة وتجري بموجب تعليمات اللجنة التنفيذية لبيع وشراء العملة الأجنبية او لجنة المزاد، ويتضمن ذلك تدقيق الوثائق التي توجب التحويل وما إذا كان المصرف المعني لديه مشاكل مصرفية تتعلق برأس المال او الالتزام بنسب السياسة النقدية التي يقررها البنك.

في البداية يجب ان نفهم انه لا يجب ان ينظر الى البنك المركزي على انه مؤسسة تجارية، بل انه مؤسسة نقدية وعمله نقدي.

وكما اكدنا سابقا، فإن مزاد العملة هو سياسة نقدية، كما ان قانون البنك المركزي يشدد على ان البنك يجب ان يعمل على تحقيق الاستقرار في الأسعار المحلية وبضمنها سعر الصرف، وإذا كان هذا الهدف يتطلب لتحقيقه زيادة عرض النقود.

البنك المركزي بدوره يعطي الدولار لأنه يتسلم ديناراً بدلاً عنه (إننا أمام عملية نقدية) بالرغم من ان الدولار قد يستخدم استخداماً تجارياً (بعد ان يخرج من البنك المركزي) وأرقام الاستيراد النهائي تقدم الى الجهات الإحصائية من قبل وزارة التجارة ودوائر الجمارك.

هنا، بعد خروج الدولار من البنك المركزي تصبح مهمة وزارة التجارة والوزارات الأخرى المعنية بمتابعة عملية الاسترداد التي تكون ضمن خطط استيرادية مدروسة لتنمية القطاعات الوطنية وليس بهدف إغراق السوق بمواد تصرف عليها المليارات لسلع غير أساسية وردت فقط لخدمة اقتصاد إيران وتركيا والصين وغيرها، فالدولة تخسر المليارات ليستورد من يسموا انفسهم تجارا (عصابات لتدمير اقتصاد العراق) النبق والجزر والعسل، وهنا نسأل: من يسطر ومن يحدد المواد المستوردة؟.

يعني ان الإنجاز الأساس للبنك المركزي يتمثل في تحقيق الاستقرار في الأسعار عن طريق سحب الدينار من خلال بيع الدولار، وهذا هو الجزء الخاص بالسياسة النقدية، أما الجزء الخاص بالسياسة التجارية (خارج مجال البنك المركزي) فهو يتمثل باستخدام الدولار في الاستيراد والعرض السلعي، الأمر الذي حيّد التضخم بشكل كبير، ولكن إذا ما تركنا الجانب النقدي جانبا وتصورنا ان عمليات استيرادات القطاع الخاص هي قضية تجارية بحتة، وتمويل هذه الاستيرادات يأتي من العملة الأجنبية المتاحة للحكومة (صندوق تنمية العراق مثلا) وليس من احتياطيات البنك المركزي، تبقى للبنك المركزي مصلحة أساسية في تخفيض التضخم والذي من الممكن ان تلعب السياسة التجارية دوراً مهماً فيه.

ان المبدأ الأساس الذي يعمل البنك المركزي بموجبه هو انه يلبي الطلب بشكل كامل، ولا ندري فيما إذا كانت الجهات الحكومية ستعمل بنفس المعيار، وما هو التأثير على سعر الصرف في هذه الحالة.

وفي بعض الحالات لا يتم السيطرة على سوق العملة، فيحصل تفاوت بين السعر الرسمي وسعر السوق، ويعود ذلك الى عوامل كثيرة من جانب العرض والطلب، فقد تحدث بعض الأزمات التي تولد زيادة في الطلب على الدولار باعتباره سلعة أمان وضمان، كما من الممكن ان يزود البنك المركزي المصارف بالدولار، ولكن ليس من الممكن إيصال هذا الدولار الى المستفيد النهائي من قبل المصارف بالمرونة المطلوبة، كل هذه الأمور تعرقل انسيابية العملة الأجنبية والحصول عليها فيرتفع سعر السوق، وهذه الظواهر تعيق انسيابية السوق.

ومن المفترض على البنك المركزي (وهو مؤسسة كلية) ستعطي العملة الأجنبية التفاصيل بنفس المستوى الذي تقوم به المصارف التجارية، فالبنك المركزي في هذه الحالة هو مثل تاجر الجملة، فهو من يدقق المخالفات المصرفية، ويتسّلم الاستشهاد حول خلو المصرف من غسيل الأموال.

الأهم من ذلك كله ان البنك المركزي هو من يتسّلم الدينار ليعطي الدولار بدله حسب سعر الصرف المعلن، إذا كانت هناك قوائم تجارية مع الطلب، فإنها من المفروض ان تدقق على مستوى المصرف التجاري لأنها تقدم آليه في الأساس، وعلى أية حال، فإن بيانات المصرف التجاري تذهب نسخة منها الى وحدة غسيل الأموال في البنك المركزي للمتابعة.

وحول علاقة المصارف التجارية بالبنك المركزي فإن المادة 40 من قانون البنك المركزي تنص على الإشراف على المصارف والتي تتضمن إجازة المصارف والإشراف عليها وإصدار التعليمات بشأن عملها.

ليس من أعمال البنك المركزي ان يتابع عمليات المصارف على مستوى عمليات الإقراض المفردة، فعلاقته مع المصارف هي عن طريق دائرة الصيرفة والائتمان التي تتابع أعمال المصارف وانسجامها مع مستلزمات السياسة النقدية، وعن طريق مزاد العملة، حيث يتسلم البنك طلب التحويل والاستشهاد حول خلو عمليات المصرف من غسيل الأموال، وعن طريق دائرة الإبلاغ عن غسيل الأموال في البنك التي تعنى بالمتابعة اللاحقة، وتدقيق عمليات غسيل الأموال على مستوى العملية المفردة.

كل العمليات التي تدخل سوق او مزاد العملة وأدت دورها في تحديد سعر الصرف تذهب نسخة منها مباشرة الى دائرة الإبلاغ عن غسيل الأموال في البنك، وذلك للقيام بتدقيق أكبر للعمليات المشتبه بها، وتتم المتابعة داخل وخارج العراق ومع الوحدات النظيرة في البلدان المختلفة، ان هذه الدائرة هي المختصة بمتابعة غسيل الأموال وخاصة العمليات المشتبه بها.

ان لجان مزاد العملة في البنك المركزي لا تختص بقضايا غسيل الأموال بالرغم من أنها تتسلم استشهادات بخلو المصرف المعني من غسيل الأموال، والمسؤول عن متابعة غسيل الأموال هي دائرة الإبلاغ في البنك المركزي خاصة وأنها تتسلم بيانات المزاد منذ البداية.

ان تدقيق غسيل الأموال في المصارف هو واجب دوائر غسيل الأموال في المصارف ومديرية الإبلاغ عن غسيل الأموال في البنك المركزي وليس من واجب لجان المزاد التي يجب ان تمرر طلبات الحصول على العملة الأجنبية بسرعة وسلاسة، فسوق النقد حساس جدا ويمكن لأي تأخير في انسيابية المعلومات ان يؤثر بالسلب على تحديد سعر الصرف.

لكن وكما هو معروف، الفساد الكبير للجهات المتنفذة والمسيطرة على بعض المصارف (حيتان الفساد) لا تجعل الغرض الحقيقي لمزاد العملة يحقق استقرار أسعار الصرف ويخدم التنمية، بل يخدم هذا لتمويل فسادهم واهدار العملة وتدمير الاقتصاد العراقي.

البيئة الملائمة للتنمية، واهم عناصر هذه البيئة هو استقرار سعر الصرف، ولكن الاستفادة من هذه البيئة تتوقف على كفاءة الاقتصاد الحقيقي وخاصة قابليته على تطوير الصادرات من القطاع غير النفطي وصياغة السياسات الملائمة من قبل الحكومة وأجهزتها.

اذا كان الاقتصاد الحقيقي يعاني من إنتاجية متدنية فإن القطاع الخاص سيستورد تقريبا كل شيء، وسعر صرف الدينار سينخفض، ولكن حجم الاحتياطي الكبير يستطيع تمويل الاستيراد وسد فجوة ميزان المدفوعات والحفاظ على الدينار من الانخفاض، وهذا ما يحدث في مزاد العملة الأجنبية.

من الأفضل ان نحافظ على الدينار من خلال الإنتاج وخلق قابليات تصديرية غير نفطية، وهذا هو واجب القطاعات الإنتاجية (حكومية وقطاع خاص)، يجب ان تتطور قابلية التصدير غير النفطي ولو بشكل تدريجي حتى يقل الاعتماد على عوائد النفط ومزاد العملة الأجنبية المعتمد على النفط.

لكن.. جاءت النتائج عكس ذلك تماما، مزاد العملة في ظل الضعف الحكومي وتفشي الفساد لا ينتج منه سوى تدمير الاقتصاد العراقي.

استنزاف احتياطي البنك المركزي من العملات الصعبة وسبائك الذهب الذي يؤثر بدوره في صرف العملة المحلية، تنامي ظاهرة غسيل الأموال، عدم استقرار الوضع الاقتصادي الذي يؤثر مباشرة بالوضع السياسي، التذبذب في سعر الصرف، وخضوع الاقتصاد العراقي الأحادي لتقلبات ومضاربات السوق المحلي، تراجع احتياطي البنك المركزي، توسع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق، وارتفاع نسبة البطالة، ارتفاع العجز بميزان المدفوعات وانخفاض القدرة الإنتاجية، تنامي وانتشار الفساد والسرقة للمال العام، وضعف الروابط الاجتماعية، ويؤكد خبراء الاقتصاد ومنهم نبيه نديم العبيدي، على ضرورة إيقاف مزاد العملة الذي أضعف ودمر الاقتصاد العراقي، والحد من استثمار وتهريب مبيعات مزاد الدولار من البنك المركزي العراقي الى إيران لدعم اقتصادها في مواجهة العقوبات الاميركية المفروضة عليها.

الخاتمة.. ان الفساد الاقتصادي موضوع معقد وشائك ومتعدد الأوجه والجوانب، فهو مرتبط بفساد سلطوي سياسي، ولقد كثرت مسمياته، فهناك (الفساد المالي) الذي يعكس قيام الجهات الفاسدة بمخالفات مالية واضحة، الغرض منها الحصول على الأموال بطريقة غير شرعية، تؤدي إلى الهدر في الأموال العامة.

ان المشكلة التي يعانيها الاقتصاد العراقي الآن هي مشكلة سياسات وليست مشكلة موارد، فالبلد يعاني الآن من عدم توفر الاستقرار السياسي والأمني، الأمر الذي يعرقل التنمية واتخاذ القرارات بشأنها، إلا أننا بدأنا الآن نعاني أيضا من عدم توفر الاستقرار الاقتصادي نتيجة لعدم استقرار الصرف.

إن ذلك يؤثر على الثقة بالدينار والتي بدأت تتضاءل (نرجو ان يكون هذا الأمر وقتيا) الأمر الذي يفسر الرغبة الكبيرة في اقتناء الدولار الذي أصبح الآن عند الجمهور بمثابة سلعة أمان، كما ان عدم استقرار الظروف الداخلية والإقليمية يشجع بدوره على زيادة الطلب على الدولار.

وحدة الدراسات الاقتصادية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.