مقتدى الصدر يفشل بركوب الموجة واستعادة شعبيته


مقتدى الصدر يفشل بركوب الموجة واستعادة شعبيته

قيس العذاري

نلاحظ ان دعوات مقتدى منذ بداية انتفاضة تشرين صدرت من دولة اجنبية ترفض سياستها شرائح واسعة من المجتمع العراقي وتتسم بالكره لتدخلها غير المبرر بالشؤون الداخلية للعراق ، وتعرقل عجلة النمو والاعمار واعادة المنشات الصناعية العراقية للعمل والانتاج بعد ان توقف معظمها خلال سنوات الحرب وما تلاها من غزو القوات الامريكية . وتحاول بشتى الطرق بواسطة وكلائها وذيولها ابقاء السوق العراقي تحت رحمة المنتجات الايرانية الرديئة الخالية من معايير الجودة قياسا بمنتجات دول اخرى اكثر تطورا من الناحيتين الصناعية والتكنلوجية .

وهناك اسباب لا تقل اهمية عنها تدعم اتجاه رفض ايران ونظامها الثيوقراطي القمعي من قبل اكثرية العراقيين . فهو نظام لا يؤمن بالحوار والسلمية وله مجموعات مسلحة دربت على قمع وقتل المحتجين ويدينون لها بالولاء ،ويعملون لمصالحها على اسس طائفية وعلى حساب تضرر مصالح العراق الاقتصادية والثقافية وتعرضه لمخاطر حروب وصراعات لا ناقة له فيها ولا جمل .

ومقابل العداء السافر لايران ، برز مقتدى الصدر ينتفض ايضا ولكن ليس من اجل الحقوق والوطن كما يهتف المتظاهرون وانما من اجل استغلال الاحتجاجات لاستعادة شعبيته التي ادت مواقفه المتقلبة وتنصله من الاصلاح ومكافحة الفساد وتلونه بوطنية كشفت الاحتجاجات زيفها ، ولكنه فشل فشلا ذريعا فلم يلب دعوته لتظاهرة مليونية ضد القوات الاجنبية العاملة في العراق سوى بضعة الاف في بغداد سرعان ما تفرقوا لتدارك فشلهم ، كما فشل بركوب موجة المظاهرات والاحتجاجات المندلعة منذ العاشر من تشرين الماضي ، وعدت دعوته للتظاهر ضد القوات الاجنبية في العراق ، محاولة لصرف الانظار عن الاحتجاجات الوطنية في بغداد ومدن العراق باوامر ايرانية واضحة .

 ومن اسباب فشله وانحسار شعبيته انه لا يدرك ان ايران بسياستها المتطرفة والقمعية اصبحت دولة معادية للعراق وتطلعاته نحو مستقبل افضل واكثر امانا ورفاهية لمواطنيه بعد ما لاقاه من معاناة جسيمة تسبب بها النظام الدكتاتوري المقبور . 

ولم يتمكن من قراءة الرأي العام العراقي قراءة صحيحة اتجاه النظام الايراني وسياساته المرفوضة من اغلبية العراقيين وخاصة تدخله بالشؤون الداخلية ومحاولته الهيمنة على العراق وموارده  ،وفرض ارادته وسياساته الفاشلة على العراق . مما ادى الى تدهور شعبيته ومنعه من قبل المتظاهرين النزول من سيارته للمشاركة في الاحتجاجات النجف ، باحدى زياراته النادرة للعراق قادما من مدينة قم الايرانية المقيم فيها حاليا .

 ادرك المتظاهرون بوقت مبكر منذ بدء انتفاضة تشرين ان مقتدى الصدر اصبح الورقة الايرانية المفضلة لتخريب المظاهرات والاحتجاجات الوطنية في العراق ، مما ساهم بشكل كبير في انحسار شعبيته الى ادنى مستوى منذ ظهوره كمناصر للفئات الفقيرة ومحدودة الدخل اثر سقوط النظام البائد ، ولكنه اثبت العكس بمساهمته الواسعة بقمع وقتل المتظاهرين من خلال مليشياته المسماة "القبعات الزرقاء" التي ارتكبت جرائم قتل مريعة بحق الشباب العراقي المنتفض في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب .

واحد اهم اسباب تراجع شعبية مقتدى وتياره ، انه لا يدرك ان ايران تحاول بشتى الطرق توريط العراق بعداوات مع المجتمع الدولي الذي يرفض سياستها بالتدخل بالشؤون الدخلية لدول المنطقة ، وتوريطه في نزاعاتها المستمرة مع دول عديدة اولها الولايات المتحدة والعديد من دول الاتحاد الاوربي والدول العربية ، رغم ان لا مصلحة للعراق بمعاداة دول ساعدت العراق وما زالت في القضاء على التنظيمات الارهابية المتطرفة مدنيا وعسكريا .

تيار الصدر ومقتدى في الواقع يمران بازمة حقيقية تتعلق بهويته الوطنية لا الطائفية لوجود من يمثل الهوية الطائفية المرفوضة شعبيا  ولكن انتفاضة تشرين اثبتت بانه ابعد ما يكون عن الهوية الوطنية وتمثيله للفئات الفقيرة في المجتمع باتباع سياسة النظام الايراني بقمع وقتل المتظاهرين السلميين علنا من قبل مليشياته "القبعات الزرقاء" في ساحات وميادين التظاهرات ومع ذلك فشلت هذه المليشيات الاجرامية بايقاف انتفاضة تشرين او منع التظاهرات والاحتجاجات  مما اضطره الى حلها ومحاولة نسيان جرائمها ضد المدنيين .

ونتيجة هذه السياسة ذات الطابع الاجرامي التي تقع تحت طائلة المساءلة والقانون ،اعتبر مقتدى اسيرا لدى ايران ومرتهنا لتنفيذ اوامرها بقمع وقتل المتظاهرين والمحتجين واطفاء جذوة الروح الوطنية لدى الشباب المطالبين بحقوقهم ووطنهم . واشخاص كالصدر والكعبي وغيرهم من قادة المليشيات الذين حاربوا داعش والتنظيمات الارهابية المتطرفة فقدوا شعبيتهم بتحولهم الى ادوات طيعة لتنفيذ سياسات النظام الايراني المتطرفة والفاشلة في العراق .

سيكون من الصعب على مقتدى ان يستعيد شعبيته المنهارة في المستقبل القريب او البعيد بسبب تخبطه وتناقضاته وموقفه السلبي من المتظاهرين السلميين ، وتنفيذ سياسة النظام الايراني القمعي بقتل المتظاهرين وتخريب المظاهرات والاحتجاجات السلمية المطالبة بتغيير النظام الفاسد ، وتحجيم دور الاحزاب والتيارات السياسية والدينية الفاسدة التي اثبتت فشلها على مدى 17 عاما  ، ومازالت متثبثة بفشلها واصرارها على المضي نحو المستقبل بنفس السياسة الفاشلة والمرفوضة شعبيا ووطنيا .

جاء قمع وقتل المتظاهرين السلميين في ساحة التحرير او غيرها من الساحات والميادين من قبل القبعات الزرقاء المليشيا المدربة على القمع والقتل في ايران بمثابة الكلمة الفصل بتراجع شعبيته الى ادنى مستوياتها منذ تغيير النظام في العراق العام 2003 ، ونتيجة لذلك اصبحت دعواته بالاصلاح ومكافحة الفساد وغيرها وغيرها من المطالب الشعبية والوطنية عبارة عن فقاعات لا اثر لها في الواقع ، تدحضها سياسته القمعية المتناقضة ضد المتظاهرين والمعتصمين في بغداد وسائر المحافظات المنتفضة ضد الحكومات الفاشلة والاحزاب والتيارات الدينية والسياسية الفاسدة .

سوف يطول الوقت قبل ان يقف مقتدى على قدمية مرة ثانية ، ولكن بشعبية شبه معدومة ، لا يمكن مقارنتها بشعبيته السابقة التي فاقت كل التوقعات وتصدرت المشهد السياسي للعراق لسنوات طويلة . بسبب اذعانه لايران وتنفيذ سياستها القمعية والمليشاوية ضد مطالب المتظاهرين والمحتجين السلميين منذ اندلاع انتفاضة تشرين ، الاتنفاضة التي شارك فيها معظم شباب العراق وشرائح واسعة من المجتمع ، ولاقت الدعم والتأييد من قبل القوى الوطنية والمدنية العراقية خارج وداخل العراق .

واخر الجرائم التي ارتكبتها مليشات مقتدى لتخريب وفض الاحتجاجات ،استخدام المسدسات الكاتمة للصوت والسكاكين ضد المحتجين في بغداد . وقال نشطاء حسب ما نقلته وكالات الانباء "إن أتباع مقتدى هاجموا في الأيام الثلاثة الماضية، عددا من الخيام التي يعتصم فيها المتظاهرون بساحة التحرير في بغداد، وقتلوا منهم اثنين على الأقل، الأول بمسدس كاتم للصوت والثاني طعنا بالسكاكين" . ولا شك ان مثل هذه الجرائم لا تساعد مقتدى في استعادة شعبيته .

فقد شهدت المظاهرات الاخيرة 12.2.2020 هتافات ضده وضد تياره ، تندد بعنف وجرائم مليشياته "القبعات الزرقاء" في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب ،من الممكن ان تستمر في حال استمراره بتنفيذ سياسات النظام الايراني ووحشيته بقمع المتظاهريين السلميين .

 

 قيس ال ابراهيم العذاري

16.2.2020


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.