من يسعى الى الحرب؟


من يسعى الى الحرب؟

قيس العذاري

تسارعت الاحداث مؤخرا بحيث يصعب فك تشابك خيوطها. وتساءل كثيرون عن من المسؤول عن خرق ناقلتي نفط ويتروكيماوبات ببحر عمان. وقبل ذلك من له مصلحة حقيقية بالتصعيد سواء في الحليج او مناطق ساخنة اخرى، بدءا من غرة، ومرورا بسوريا، وليس انتهاء في اليمن والخليج.

شكل مؤتمر وراشو في الواقع نقطة الارتكاز الحقيقية للتصعيد، فقد شارك فيه نائب الرئيس الامريكي بينس، واعلن فيه عن استهداف ايران. وكان ترامب قد مهد للمؤتمر بتصريح لا لبس فيه، حول منع ايران من حيازة اسلحة نووية، برغم ان ايران في جميع مراحل مفاوضاتها مع الاتحاد الاوربي وامريكا، نفت وتنفي ان تجاربها النووية تهدف الى صناعة اسلحة ذرية. واكدت ذلك في زيارة رئيس وزراء اليابان، التي رفضت طهران التجاوب مع وساطتها او الرد على رسالة ترامب التي ابلغها رئيس وزراء اليابان، مؤكدة ان تجاربها  ليست لها علاقة بإنتاج اسلحة نووية او تهدف الى انتاج اسلحة ذرية.

وإذا اردنا ان نبحث عن اصل التصعيد والمسبب لانعقاد مؤتمر وارشو، نجد ان اسرائيل قد بدأته منذ وقت مبكر، بقصفها لمواقع في سوريا تدعي بانها تابعة لايران. بينما القوات الايرانية ان وجدت فلدعم جهود مكافحة الارهاب وبدعوة من النظام السوري. بينما الوجود العسكري الامريكي في سوريا غير شرعي على وفق المعايير الدولية لانه فرض فرضا بدون دعوة من الحكومة السورية القائمة، كما هو الحال لدعمها ـ اي امريكا ـ منظمات ارهابية او مصنفة تنظيمات ارهابية شرق الفرات، وما زال العراق يعاني من تسلل عناصرها الى العراق لتنفيذ عمليات اجرامية دائما ما يكون ضحاياها من المدنيين العراقيين.

من الواضح ان امريكا ومن خلفها اسرائيل بتشجيع ودعم مالي واعلامي من السعودية تسعى لشن حرب على ايران ابتدأته امريكا بحرب اقتصادية، وحصار اقتصادي ما زالت ترفع وتيرته، بهدف اضعافها لتكون امام خيارين الاستسلام او تصفية النظام كما حدث في العراق سابقا. وادى الحصار الاقتصادي الذي استمر لاكثر من عشر سنوات، الى انهيار النظام بسهولة، اثر دخول قوات الاحتلال للعراق العام 2003.

لكن هذا الاحتمال صعب تحقيقه مع ايران، لاسباب جيوسياسية؛ فايران دولة كبيرة وتربطها علاقات متينة مع قوى عالمية كالصين وروسيا وحلفاء اقوياء من دول المنطقة كالعراق وسوريا واليمن، وامام هذه الحقائق الجيوسياسية تراهن امريكا على الحصار الاقتصادي، وتثوير الشعب الايراني من الداخل، برغم ان هذا الاحتمال قد لا يكون مؤثرا على مستقبل النظام وبقائه، او احتمالية استسلامه للشروط الامريكية او تغيير الاتفاق النووي الموقع معها تحت ضغط الحصار على المدى البعيد.

وما يثير الانتباه بعد ضرب الناقلات الذي حدث في بحر عمان، أعلن بباتريك شاناهان وزير الدفاع الامريكي المكلف: إن بلاده "تركز على بناء إجماع دولي عقب هجمات على ناقلات نفط بالشرق الأوسط"، ألقت واشنطن الاتهام فيها على إيران، مما يؤكد ان امريكا معنية بهذا الهجوم بشكل مباشر او غير مباشر، لتحشيد الرأي العام ضد ايران، ليسهل عليها تنفيذ ضربات جوية ضد اهداف داخل ايران، لان جميع الخطوات الامريكية تسير باتجاه التصعيد وليس التهدئة كما اعلنت من قبل.

وكما نرى فان خطوات امريكا باتجاه التصعيد واضحة بل منسقة، فبعد ان اعلن وزير الخزانة الامريكي عن حزمة عقوبات جديدة ضد ايران لضرب اقتصادها، حدثت بعد ايام من اعلانه لحزمة العقوبات الجديدة الهجمات على ناقلات النفط في بحر عمان واتهمت فيها امريكا وبريطانية ايران بدون تقديم ما يثبت ان تلك الهجمات نفذتها قوات ايرانية. لكن بغض النظر عن تلك الهجمات، لايران الحق كسائر الدول الاعضاء بهيئة الامم المتحدة الدفاع عن مصالحها واقتصادها الذي تضرر كثيرا من العقوبات الامريكية غير المقنعة، لانها تتجاوز النظام الى الشعب الذي بدأ يتحسس نتائجها السلبية على حياته اليومية ومستقبله.

ورغم ذلك نفترض ان هذه الخطوات التصعيدية، لا تهدف في نهاية المطاف الى الحرب، لانها ستكون مكلفة بشريا وماليا، وقد تشكل تهديدا وجوديا لاسرائيل. كما تشير التوقعات؛ لان الحرب اذا ما حدثت سوف لا تقتصر على ايران انما ستشمل دولا اخرى تشكل بمجموعها مركز الثقل الاساسي لجميع دول الشرق الاوسط. كذلك من الصعب ادراك مآلات الحرب او تطوراتها، فليس من السهولة ان تستسلم ايران للضغوطات الامريكية، او ان تكون امريكا المتحكم بمسارات الحرب ان حدثت رغم تفوقها عسكريا، لان التفوق العسكري والتكنولوجي وحده لا يصنع نصرا، او على الاقل سيكون مكلفا لا يبرر الحرب ونتائجها سواء بالنسبة لامريكا او حلفائها في المنطقة.

واذا ما اقتصرت تلك الخطوات الامريكية التصعيدية خاصة اتهام ايران بالهجوم على ناقلات النفط، تبرير ضربها لاهداف داخل ايران، ستكون غير ناحجة او لا تصل الى نتائج قد تشكل ضغوطات قوية على ايران، تؤدي الى جلبها الى طاولة المفاوضات لتغيير الاتفاق النووي او استسلامها للشروط الامريكية، لان جغرافية ايران واسعة وجبلية لا يمكن ان تؤثر فيها الضربات الجوية بسهولة، اضافة الى امتلاكها لخبرة عسكرية طويلة ماضيا وحاضرا. وربما تأثير الحصار الاقتصادي يفوق مرات عديدة تأثير الضربات الجوية، وما يمكن ان تؤدي اليه من نتائج سلبية وتصعيدية غير مبررة تشمل دولا عديدة من دول المنطقة، بما فيها الدول الحليفة للولايات المتحدة.

وبوضوح التزام الاطراف الموقعة للاتفاق النووي: الاتحاد الاوربي وامريكا وايران، الالتزام بالاتفاق، والحوار سواء المباشر او غير المباشر، هو الحل، لتجنب الحرب وما تأتي به الحرب من نتائج مأساوية سواء لإيران او دول المنطقة او أمريكا وحلفائها في المنطقة، خاصة اسرائيل التي تسعى خلف الكواليس للتصعيد ومن ثم الحرب بغض النظر عما ستؤول اليه الحرب، ونتائجها غير السارة للجميع سواء لاسرائيل او امريكا او حلفائها، والاكثر اهمية مصالحها على المدى البعيد. وللتذكير ان حليفة امريكا الثانية بعد اسرائيل "السعودية" متورطة بحرب عدوانية ضد جارتها اليمن منذ خمس سنوات دون ان تلوح في الافق نهاية لهذه الحرب العدوانية المكلفة.

 وبسبب واقعية هذه المعطيات، تتطلب التأني، او عدم الانجرار وراء سياسات طائشة كالحرب التي يقرع طبولها البعض من حلفائها كاسرائيل او اطراف مؤثرة في الادارة الامريكية، قد تدفع ترامب الى اعلان الحرب التي ستضر المصالح الامريكية كثيرا، ومصالح حلفائها، برغم قرعهم لطبول الحرب، لانهم لا يدركون نتائجها على كياناتهم، او التمهيد لها اعلاميا، كما يحدث في الاعلام السعودي، وتأليبه للرأي العام، سواء داخل السعودية او خارجها، او الدفع باتجاه حرب اقل ما يقال عنها بانها كارثية ومجهولة النتائج وفي الوقت الخطأ. وقد يصعب على الاطراف المشاركة فيها التحكم بمساراتها مستقبلا.


الأربعاء - 18 .  6 .2019 

جريدة العالم