نجاح العملية السياسية ومستقبلها بيد الاحزاب


نجاح العملية السياسية ومستقبلها بيد الاحزاب

قيس العذاري

مضى على العملية السياسية اكثر من 12 عاما اذا ما استثنينا مدة الحكم المدني والتحضير لانتخابات برلمانية حرة، هي الاولى بعد التغيير الذي حصل العام 2003. انتجت ثلاث حكومات منتخبة قبل ان يرأس رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي الرابعة، وهي ما زالت في بدايتها، ويصعب اطلاق الاحكام حول مدى نجاحها او فشلها، ولكن يمكن ان نشير الى عدة عراقيل وضعت من المشاركين في العملية السياسية، وادت الى تأخير استكمال الكابينة الحكومية. فما زالت حكومة عبدالمهدي تعمل بدون وزراء لوزارات مهمة كالعدل والداخلية والدفاع، بسبب هذه الخلافات.

المواطن كان يؤمل من حكومة عبدالمهدي ان تبدأ محاسبة الفاسدين او فتح ملفات الفساد المكدسة بهيئة النزاهة. ببنما ما زالت حكومته بعد اربعة اشهر على تكليفه برئاسة الوزراء لم تكتمل، رغم المباحثات العلنية والسرية التي تجري بين الاحزاب والكتل السياسية الفائزة دون التوصل لاتفاقات تحسم بقية الوزارات المتبقية، ليتسنى متابعة انجازاتها سواء على صعيد مكافحة الفساد او اعادة الخدمات والنازحين واعمار المناطق المتضررة من الحرب وسواها، وهي المطالب نفسها منذ العام 2005، مما يؤشر وجود خلل بالعملية السياسية. عبدالمهدي في الحقيقة ليس حرا في اختيار كابينته الوزارية كما تعلن الاحزاب والائتلافات السياسية الفائزة في الانتخابات، وانما اسير التوافق فيما بينها او بين كتلها البرلمانية الاكبر لشغل الوزارات والمناصب في حكومته. ولو كان حرا باختيار كابينته الوزارية كما تدعي هذه الاحزاب والائتلافات التي منحته الثقة بتشكيل الحكومة، لحسمت جميع المناصب خلال اسابيع معدودة، عقب تكليفه برئاسة مجلس الوزراء الجديد.

الاشارة الى هذه العراقيل مهمة، لانها تتسبب بتأخير عمل الحكومة ومن ثمة تأخير بدء الانجازات التي ينتظرها المواطن، واهمها الخدمات والوظائف واعادة النازحين واعمار المدن التي خربتها الحروب وسواها من الخدمات الضرورية التي تهم الحياة اليومية للمواطنين، بدلا من الدخول في مزايدات سياسية وصراعات حول المناصب وما شابه، لان جميعها تصب او تؤدي الى اصابة العملية السياسية بمزيد من الفشل الذي سوف ينعكس على المشاركين فيها، وهم ممثلو هذه الاحزاب والائتلافات التي تعرقل مطالبهم وشروطهم استكمال الكابينة الحكومية.

من البديهي كذلك الاستنتاج ان هذه الاحزاب والائتلافات نفسها هي من يعرقل فتح ملفات الفساد، احد اهم مطالب المتظاهرين في مدن وسط وجنوب العراق. لانه يطال العديد من الوزراء والوكلاء والمدراء المحسوبين عليها او المرشحين من قبلها لهذه المناصب. وبهذا فان هذه الاحزاب والكيانات تمر بمأزق حقيقي، فهي تساهم بافشال العملية السياسية المشاركة فيها، والتي اضفت الشرعية على وجودها وعملها وتمثيلها البرلماني، وتعرقل في نفس الوقت فتح ملفات الفساد، الذي قد يؤدي الى الاصرار على عدم فتحها او تسويف احالتها الى القضاء المختص، الى فشل العملية السياسية مستقبلاً.

والملف الامني كذلك يتأثر بتأخير حسم وزارتي الداخلية والدفاع في وضع امني غير مستقر من بقايا داعش والتنظيمات الارهابية المهزومة في سوريا. اضافة الى توسع التظاهرات الجماهيرية وانتقالها من البصرة الى مدن وسط وجنوب العراق. وهي قابلة للتوسع اكثر او اشتدادها، اذا ما استمر الوضع على ما هو عليه، او معالجة المطالب بالوعود بدون تحقيق انجازات ملموسة، تقنع المواطن بجدية الحكومة في معالجة مطالبه، او الاسراع في تنفيذها حسب الامكانيات المتوفرة، بمساهمة الاحزاب والائتلافات السياسية، وليس بخلق ازمات جديدة، تقود الى المزيد من التدهور على الصعيد الاقتصادي والتنموي اوالانجازات الملموسة.

والحقيقة الواضحة ان ما اصاب ويصيب العملية السياسية من عثرات وعراقيل سببها الاحزاب والائتلافات المشاركة فيها، ولا يمكن ان تأتي من خارجها، ولها ثمنها الباهض. ومن نتائجها عرقلة استكمال الكابينة الحكومية وانجاز المشاريع التنموية والخدمات، وعرقلة النمو وتحسين المستوى الصحي والتعليمي والمعيشي للمواطنين، لانها مشغولة بخلق الازمات والصراعات في ما بينها على الوزارات والمناصب والثروات، وتقف بعضها كحجر عثرة في طريق القضاء بتنفيذ اجراءاته القانونية بحق الفاسدين.

وفي بيئة سياسية كهذه لا يمكن للعملية السياسية ان تنمو وتتطور. وباتت تشكل احد الاسباب المهمة ليأس المواطنين منها، واليأس من اصلاحها على المدى القريب مما يعرض مستقبلها ومستقبل هذه الاحزاب والائتلافات الى مخاطر غير متوقعة، نتيجة تصاعد التظاهرات والاحتجاجات في محافظات الوسط والجنوب والعاصمة بغداد.

لا أحد يلام على فشل العملية السياسية، سوى الاحزاب والائتلافات المشاركة فيها. اما التبرؤ من المسؤولية او محاولة ترحيلها الى اطراف اخرى، فانها عديمة الفائدة، ولا تساهم بحل المشاكل سواء على صعيد استكمال الكابينة الحكومية او الانجازات المنتظرة منها وهي طويلة ومعقدة، ولا يمكن نجاحها في اجواء الصراعات العلنية والسرية، وخلق الازمات المتتالية، التي دأبت عليها الاحزاب والائتلافات السياسية دون التفكير بعواقبها، ومدى تهديدها للامن والاستقرار.

 وكما نعلم، فان توفير الخدمات والتنمية والاستثمارات يلزمها بيئة سلمية امنة لا بيئة يتحكم فيها الفساد او الامزجة السياسية، وتسهيلات من جميع الاطراف، لكي تنمو وتعطي ثمارها. وغير ذلك عبارة عن وعود غير قابلة للتنفيذ او مع وقف التنفيذ، تزيد من المشاكل وتعقدها، ولا تلبي الحد الادنى لمطالب المتظاهرين والمحتجين.

ونجاح العملية السياسية او فشلها في الحقيقة بيد الاحزاب والائتلافات المشاركة فيها؛ فهي قادرة على ازالة العراقيل امام استكمال الكابينة الحكومية ، او افساح المجال للقضاء بفتح ملفات الفساد ومحاسبة الفاسدين ، خاصة حين نتذكر ان مكافحة الفساد احد المطالب الاساسية للمتظاهرين. ومستقبل العملية السياسية كذلك مرتهن بها ومدى استعدادها لخوض غمار الاصلاحات والتغيير. وبدون اصلاحات حقيقية ستذهب اموال الموازنة للعام 2019 كما حدث في الموازنات المالية السابقة الى جيوب الفاسدين. وتعاد دورة التظاهرات من جديد، ربما بقوة وزخم اكبر في مدن وسط وجنوب العراق.

كل ذلك مقرون بعودة اعداد كبيرة من النازحين من مخيمات النزوح الى قراهم ومدنهم المخربة، التي تفتقر الى ابسط الخدمات الاساسية في غرب وشمال العراق. وستشكل عبئا كبيرا على الحكومة الجديدة، قد تعجز عن الاضطلاع به، مع استمرار الفساد والخلافات او الصراعات العقيمة بين الاحزاب والائتلافات السياسية، منذ البدء بتشكيل الحكومة الجديدة.


24 شباط ( فبراير ) 2019

 https://drive.google.com/file/d/1hPkGwipAW8lNHKfl9lR9Bu7-d5EgpNjd/view