هل العراق بحاجة الى بقاء القوات الامريكية؟


هل العراق بحاجة الى بقاء القوات الامريكية؟

قيس العذاري 

ما ان انسحبت القوات الامريكية من العراق العام 2011 حتى ظهر داعش عقب انسحابها، وظهوره بفترة زمنية قصيرة، بدون دعم وتسليح او اعداد مسبق وتهيئة اعلامية وتعاون مع قيادات سياسية مشاركة بالعملية السياسية، لا يمكن. وبوقت قصير استطاع احتلال ثلث مساحة العراق من ضمنها محافظات مهمة كالانبار والموصل. ووصل الى تخوم اربيل وبامكانه احتلال اربيل، ولكن ذلك لم يحدث لاسباب غامضة لحد الان.

وهذه من العوامل او الاسباب التي تدفع الى بقاء القوات الامريكية فترة اطول، حين تنتفي الحاجة لبقائها، وهي استراتيجية امريكية، رافقت احتلالها للعراق، وما زالت تعمل وفقا لهذه الاستراتيجية بخلق المزيد من الفوضى والازمات لتبرير بقائها. مع ذلك الافضل الاقرار ان العراق كان وما زال بحاجة لهذه القوات ولو بشكل محدود لاغراض التدريب والدعم اللوجستي الذي توفره الاقمار الاصطناعية التي تحدد اماكن تواجد الارهابيين، وتلعب طائرات الاستطلاع دورا مهما بانجاز مثل هذه المهمات التي لا يمكن الاستغناء عنها في مكافحة الارهاب.

والإقرار ان القوات العراقية غير قادرة على انجاز هذه المهمات، وبحاجة الى دعم وخبرات وتدريب متواصل لكي تصل الى القيام بمفردها بجميع المهمات المتعلقة بمكافحة الارهاب. وهذا بطبيعة الحال ليس بدون ثمن. رغم ما قدمه العراق من تضحيات جسيمة بمقارعته للارهاب منذ العام 2014 او قبل هذا التأريخ، لكنه كان حاسما بالنسبة للعراق وقراره بمكافحة الارهاب والقضاء على التنظيمات الارهابية بغرب وشمال العراق.

ومنذ عام احتلال القوات الامريكية للعراق 2003، انكشفت حقائق عديدة، واثبت الغزو الامريكي ان تحرير العراق من الدكتاتورية والنظام التعسفي السابق كان من بين احد اهداف الغزو ليس اولها، فمنذ ذلك التاريخ تتالت الازمات وتراجعت القوى الوطنية والمدنية لتتصدر المشهد قوى دينية متخلفة، بعضها متخلفة جدا ولا تمتلك خطابا دينيا متوازنا سنية او شيعية. ولا نبرئ القوات الامريكية من تشجيع ودعم هذه القوى رغم خطاباتها الطائفية المتخلفة. وتسببت هذه القوات والحكم المدني الذي امتد الى العام 2005 تقريبا الى تفكيك المؤسسات الامنية بدلا من اصلاحها والغاء الكثير من القوانين والتشريعات الضرورية التي تؤمن استتباب الامن والاستقرار في اي مجتمع من المجتمعات.

ونتيجة لذلك برزت ظواهر غير معروفة سابقا في المجتمع، او لم تكن بهذا الحجم، وكادت ان تؤدي الى انهيار اقتصاد البلاد كظاهرة غسيل الاموال وتهريبها والمضاربة على العملة بدون ضوابط تقلل من تأثيرها السلبي على الاقتصاد، والفساد وانتشار المخدرات او تسهيل تهريبها الى العراق، وتفكك العديد من المؤسسات التي ادت بدورها الى انهيار التعليم وانتشار الامية والبطالة وسواها من الافات وتتسبب بازمات يصعب التحكم بها.

وما زالت اثار تلك الظواهر السلبية، مستمرة في المجتمع رغم انسحاب القوات امريكية. ولولا هذه القوات لما كانت قوى واحزاب دينية متخلفة متنفذة في العراق، او على الاقل ليس لها الدور الاساسي بتحديد نمط الحكم ومستقبل العملية السياسية، بعد ان استبعدت او حجمت القوى الوطنية والديمقراطية العراقية بشكل متعمد من قبل الحاكم المدني بريمر. وادى ذلك الى انتشار غير مسبوق للسحر والشعوذة ومظاهر التخلف المتمثلة بالأمية والبطالة وانتشار المخدرات وارتفاع نسب الجرائم الى ارقام غير مسبوقة في المجتمع العراقي.

لم يعان العراق سابقا او يمر بتاريخه بظاهرة تجاوزت الحدود، كظاهرة الفساد، لا نزعم ان القوات الامريكية من تسبب بهذه الظاهرة، لكنها بالتأكيد شجعت على انتشارها لتشمل جميع الاحزاب والقوى الدينية السنية والشيعية وبعض القوى الوطنية، بحيث بات الفساد احد مظاهر العمل السياسي. وانتشر بجميع مؤسسات الحكم والدولة لدرجة لا يمكن التستر عليه او تهوين تأثيراته السلبية المدمرة على اقتصاد البلاد.

وتعد تلك الظواهر السلبية ثمنا باهظا دفعه العراق نتيجة للغزو الامريكي، وتشجيعه على انتشار مثل هذه الظواهر السلبية في المجتمع ليسهل عليه التحكم بالمنظمات والاحزاب والتيارات الدينية المشتركة بالفساد وقادتها، وتحقيق ما يعجز عن تحقيقه في حالة بناء مجتمع حقيقي يبنى على اسس النزاهة والكفاءة والقانون. الفاسدون الان لا يخشون القانون لانهم من يتحكم به، بعد ان سيّس القضاء لصالح هذه الاحزاب والتيارات. وبدون القانون واستقلالية القضاء لا يمكن حدوث تطورات ايجابية في المجتمع او تغيرات تؤدي الى اصلاحات حقيقية تؤمن العراق ومستقبل اجياله.

لا نعني من ذلك اتهام جميع الاحزاب او التيارات الدينية بالفساد، لكن على الاقل انها من المشاركين فيه او من مسوغيه، لانها من يحكم العراق، منذ انتهاء فترة الحكم المدني برئاسة بريمر. ولا نقصد انها متواطئة مع القوات الامريكية لتخريب وتفكيك مؤسسات الدولة وحل الجيش والشرطة وباقي المؤسسات المهمة، التي ادت الى الانفلات والتدهور الامني واضرت بشدة باقتصاد العراق والمستوى المعيشي للمواطنين، اضافة الى خلق جيوش من العاطلين عن العمل، ولكنها ساهمت بها من خلال ادارتها لشؤون الدولة ومؤسسات الحكم فيها لاربع دورات انتخابية؛  ثلاث منها فاشلة، لم تتمكن من تلبية الحد الادنى لمطالب المواطنين او النهوض بالواقع الاقتصادي للعراق، رغم توفر الموارد المالية والبشرية الضرورية.

والرابعة وضعت منذ البدء بتشكيلها العديد من العراقيل غير الضرورية ولا نعلم اين تنتهي؟ ولكنها ستساهم في حال استمرارها بفشلها مستقبلا. لتضاف الى سلسلة الفشل الذي رافق العملية السياسية، بسبب الاحزاب والتيارات الدينية، ومحاولة فرض ارادتها او شروطها على الجميع، دون الاخذ بنظر الاعتبار الازمات السابقة والحالية التي تمر بها العملية السياسية او مستقبلها في العراق، في حالة اصرارها على سياساتها ومطالبها التعجيزية او غير المقبولة لدى الاحزاب والقوى السياسية المنافسة، او المشاركة معها في تشكيل الحكومة الجديدة. ونقصد ان فشلها او نجاحها مسؤولية جميع الاحزاب والتيارات الدينية او غير الدينية المشاركة في العملية السياسية.

وتكاد هذه الاحزاب والتيارات الدينية المتخلفة، ان تدخل العراق بفوضى وازمات جديدة، حول بقاء اعداد محدودة من القوات الامريكية في العراق، وتطالب بعضها برحيلها فورا، دون الاخذ بنظر الاعتبار مناقشة فوائدها ومضارها، ومدى حاجة العراق لها مستقبلا، او تداعيات انسحابها المفاجئ على الاقتصاد، خاصة ان جميع الشركات الاجنبية التي تعمل في العراق تحت حمايتها، اعلنت عن انها ستوقف عملها ومشاريعها  في حال انسحاب القوات الامريكية من العراق. ونحن كذلك ضد بقاء القوات الامريكية والاجنبية في العراق بما فيها القوات التركية والايرانية، ولكن علينا اولا معرفة مدى حاجة العراق لها، ودراسة تأثير انسحابها على الاقتصاد والمشاريع التنموية في العراق مستقبلا.