"هل حقا" .. لا ضرر من زوال الصحفَ؟


"هل حقا" .. لا ضرر من زوال الصحفَ؟

 رفعت رشاد

يتواصل الجدل بشأن المشاكل التي تعاني منها الصحافة كمهنة وكصناعة تشمل مدخلات عديدة كمطابع ووسائل توزيع وعمالة فنية وإدارية وكيانات جالبة للإعلان. احتدم الوضع لدرجة أن البعض استغرق في يأسه ويقينه من عدم وجود حلول للمشكلة. ونظرا لأن الدولة تحرص علي وجود صحافة ترتبط بها بشكل أو آخر فقد تدخلت الحكومة مرات لمنح الصحافة قبلة الحياة ، وربما يعتقد البعض أن إصدار قانون جديد للصحافة أو لنقابة الصحفيين هو الحل لمشكلة الصحافة ، لكن هذا غير صحيح. 

أقول مشكلة الصحافة ولا أقول أزمة الصحافة والفرق بينهما كبير ، فالمشكلة يمكن حلها بطرق أسرع من الأزمة التي يستغرق حلها وقتا أطول وربما يحتاج الحل إلي خطوات أكثر تعقيدا أو تكلفة حسب نوعها وحجمها. في مصر ، إذا كانت صناعة الصحافة في مشكلة ، فالأزمة موجودة أيضا ولكن في جانب آخر من جوانب الصحافة.

الصحافة في البداية وجدت لنقل الأخبار ونشر الإعلانات ، وقد ولدت في الدول الرأسمالية وأولها انجلترا وفرنسا. لم يكن العالم عرف الثورات أو بلور نظاما دوليا ولم تكن علوم الدعاية والإعلام قد ولدت. بعدما مرت الصحافة بمراحل عديدة واقترب زمننا الحديث تحولت الصحافة لدي أصحاب الأفكار ولدي الثوار والسياسيين إلي وسيلة لنقل أفكارهم والتأثير من خلالها علي الرأي العام في كل مكان وتحولت إلي صناعة تتضخم آلياته يوم بعد يوم وبلغت ذروتها في أواخر القرن العشرين.

اعتبر الصحفيون في ذلك الوقت الصحافة رسالة وكذلك عملهم كصحفيين رسالة تناهض السلبيات وتدافع عن الحقوق والحريات وتسعي بشكل عام إلي تحسين الحياة في المجتمع. وبعد ظهور شبكة انترنت تبدل حال الصحافة والصحف ودب الضعف في هذه الصناعة الضخمة التي عاشت ما يقرب من خمسة قرون في صحة وعافية. تسلل الوهن إلي المهنة كما خفتت الأصوات المنادية بالحرية بعدما أدرك السياسيون مدي أهمية السيطرة علي الصحف التي مازالت تعد من أهم وسائل الإعلام.

لو عدنا إلي عنوان المقال وتساءلنا : ألن يكون هناك ضرر إذا ما زالت الصحافة أو اختفت ؟. أقول إن الصحافة إذا لم تكن وسيلة من وسائل الاستمتاع بالحرية وتحسين الحياة في المجتمع ، فلا ضرر من زوالها أو اختفائها. ولو تطلعنا حولنا لوجدنا أن الصحافة فقدت قدرتها علي ذلك ، وأبسط دليل علي ما أقول أن المسئولين في كل المستويات وبنسبة كبيرة لا يأبهون بما ينشر في الصحف. ولا يعتبرون ما تنشره الصحف وحتي الكبري منها له تأثير يدفعهم إلي تعديل وتطوير سياساتهم بما يحقق هذا التحسين. النظرة في المجتمع ولدي الموجودين في السلطة أن الصحافة لها أن تنشر ما تريد ، ولهم كمسئولين أن يفعلوا ما يريدون ! طالما أن رؤساءهم لا يلومونهم علي ما يرتكبونه من فعل. والعبارة المشهورة » كلام جرايد »‬ تؤكد ما أقول. وكان لابد من دراسات علمية ونفسية وسياسية لوصول حال الصحافة إلي هذا المستوي من عدم مبالاة المجتمع تجاهها ، لا أن نتجاهل التدهور الحادث ونشيح بوجوهنا وكأننا لا نري الكارثة.

إذا كان أصحاب الاتجاهات الرأسمالية لا يري في الصحافة إلا وسيلة أو مشروع يحصلون من ورائه علي مزيد من الأموال ، فبعضنا يراها رسالة لإعلاء رايات الوعي والحرية في المجتمع والتقريب بين الطبقات ويرفض النظرة الرأسمالية للصحافة. قد نقبل بأن أصحاب الأموال يبحثون عن الأموال ، لكن الدولة ليست تاجرا أو رجل أعمال في هذه النقطة تحديدا، لأن الصحافة هنا وحتي يحين أجلها المحتوم تعد من أهم آليات نشر الوعي وتثقيف المواطن للحفاظ علي الدولة وهو الهدف الأسمي. إن الصحافة ليست مهمتها تجميل الواقع وإنما دعم مسيرة المجتمع لتحسين ظروف الحياة ودفعه للتقدم ، فإذا كانت الصحافة غير قادرة علي رفع رايات الحرية وتحسين أحوال المجتمع ، فلا ضرر إذن من زوالها أو اختفائها.

ملحق المقالات