هل نحن فـي قندهار ام بغداد؟


هل نحن فـي قندهار ام بغداد؟

قيس العذاري

لا تغيير سيطرأ على سياسة المحاصصة بهذه الدورة البرلمانية كسابقاتها، فهي تدور اولا واخيرا حول تقسيم "الغنائم" بين الاحزاب. واضيف تنافسا جديدا بين الاحزاب الكردستانية بعد ان ظن البعض ان حالة الاستقرار التي مرت بها في المدة الماضية يمكن ان تستمر. فصراع الاحزاب الكردستانية في ما بينها على منصب رئيس الجمهورية ، رغم ان مرشح الوطني الكردستاني سيفوز بالمنصب، قضى على كل امل باصلاح العملية السياسية؛ فقد صارت عبارة عن ابتزاز وتقسيم للاموال بين الاحزاب والمشاركين بالعملية السياسية. بينما المواطن ينتظر من الحكومة القادمة ان تكون حكومة خدمات واعادة بناء واعمار ومشاريع تخفف من البطالة خاصة بين الشباب وتعيد بناء ما خربته حروب النظام السابقة والحرب ضد داعش.
اهم ما تسعى اليه هذه الاحزاب الحصول على اكبر قدر ممكن من الاموال، وليس العمل من اجل البلد والمواطن وتوفير الامن والحياة الكريمة للمواطنين .هذا ما لمسناه طيلة ثلاث دورات انتخابية ماضية. ومما يؤسف له أن هذه الاحزاب لا تهتم كذلك بالمخاطر التي تحيق بالعملية السياسية وامن المواطن ومستقبل البلاد. تبدو كـانها في سباق مع بعضها لحيازة اقصى ما يمكن من الاموال والامتيازات والمناصب. حتى ان دعاة الانفصال دخلوا في تنافس مريب حول منصب رئاسة جمهورية العراق فهم الى وقت قريب مضى يعدونه محتلا، لا نعلم كيف؟ والمقصود كركوك وهي مدينة عراقية تقطنها مختلف الاعراق والطوائف العراقية كأنها خارج العراق. هذه الهرطقات السياسية وغيرها الكثير، تشير بوضوح الى ان هؤلاء لا يهمهم مصير البلد او مواطنيه، ما يهمهم المناصب والامتيازات والاموال العامة التي نهبت وما زالت تحت ايدي اللصوص انفسهم وتنتظر الفرص المواتية للنهب وتقسيم المغانم والاستيلاء على اكبر قدر ممكن من الاراضي والاملاك، وتجييرها باسماء المسؤولين والحزبيين وعوائلهم. كما حدث في الدورات الانتخابية الثلاث الماضية.
ووسط تصاعد وتيرة الاغتيالات في بغداد والبصرة على الخصوص، دائما ما يقابله صمت سياسي وامني، يدعو الى الشك بوجود تواطؤ: كيف يمكن ان تحدث هذه الاغتيالات بوضح النهار، وفي الشوارع العامة دون اية اجراءات امنية او ملاحقة للمنفذين وشوارع بغداد مليئة بمختلف اصناف الشرطة والقوى الامنية والحواجز وكاميرات المراقبة؟ هل نحن في قندهار ام في بغداد؟ وما يقوي الشكوك بتواطؤ بعض الاحزاب خاصة الدينية ومليشياتها مع مثل هذه الاغتيالات لاسباب اما مشاركتها بها او لها مصلحة خاصة بتنفيذها؟ لكن اذا كرت المسبحة هل سيكون هؤلاء بمأمن من مثل هذه الجرائم؟ اذا اعتقدوا ذلك فانهم على خطأ كبير فدورهم قادم. والخلافات بين هذه الاحزاب وحجم الاموال والمغريات كفيلة باشعال حرب الاغتيالات التي سوف لا ينجو منها احد منهم وخاصة الفاسدين وسراق المال العام.
كمواطنين ننتظر من الاحزاب دينية وغير دينية ان تدين بشدة الاغتيالات لا ان تصمت ازاءها او تبررها، مهما كانت اسبابها، وتطالب بالقاء القبض على المتنفذين، وانزال اقسى العقوبات بحقهم، مثل هذه الاغتيالات ممكن ان تحدث في دول لا توجد فيها قوى امن حكومية وقانون، ما يدفع الاقوياء الى تنفيذ قانونهم الخاص، وليس القانون الشرعي للدولة. لكننا لم نسمع من هذه الاحزاب ادانات واضحة وصريحة لهذه الاغتيالات، لذلك نعتبر صمتهم جزءا من حالة الفساد والعجز الذي يعتري هذه الاحزاب والمسؤولين في الحكومة والبرلمان، ومنها توفير الامن والامان للمواطنين. والمشكلة ان هذه الاحزاب الدينية والطائفية، تتحدث عن "الفضاء الوطني" ولا نعلم ما المقصود بالفضاء الوطني، ولو انها تحدثت عن الفضاء الحزبي الخاص بها او الطائفي لكان ذلك مفهوما.
كل ذلك يحدث للمواطنين في بغداد والبصرة وباقي المحافظات بفورة الخلافات بين الاحزاب على منصبي رئيس الوزراء والجمهورية بتسابق محموم تجاوز كل الاعتبارات او ما يسمى بالمصلحة الوطنية التي تهم الجميع احزابا ومواطنين. المبادرة الوحيدة التي حدثت للتصدي لهذه الجرائم هي دعوة رئيس الوزراء لمجلس الامن الوطني للانعقاد الاحد 30.9.2018 وجاء في البيان الختامي للاجتماع انه: "ناقش جرائم الاغتيال والاختطاف في بغداد والبصرة ومحافظات اخرى حيث تم تقديم تقرير من الاجهزة الاستخبارية حول الحالات التي جرت واسبابها ومواجهتها ونتائج التحقيقات الجارية لكشف خيوط الجرائم واهمية العمل الاستخباري للحفاظ على ما تحقق من استقرار أمني"، بينما هذه السلسلة من الجرائم في بغداد وباقي المحافظات تثبت بانه لا يوجد استقرار امني.
لذلك نعتقد ان قوى الامن لم تقم بواجبها بالقاء القبض على المجرمين بالسرعة المطلوبة والممكنة وتقديمهم للقضاء ووضع حد لهذه الجرائم الخطرة التي تهدد المجتمع والاستقرار والتعايش. كما نحن بحاجة الى توثيق هذه الجرائم لتأكدنا بانها مرتبطة بفساد الاحزاب السياسية والدينية وارتباطاتها الخارجية، وفشل العملية السياسية التي اصبحت عبارة عن تقسيم للغنائم والاموال والثروات.

https://drive.google.com/file/d/1ssgQtECmlY210fvEYg49vZKhE895IS-y/view