السياسات الاقتصادية العالمية واحتواء الازمات الطارئة


18 Aug
18Aug

السياسات الاقتصادية العالمية واحتواء الازمات الطارئة

الباحثة شذى خليل*

العالم يتغير بصورة متسارعة لاية ازمة مفاجئة مما ينعكس على آفاق الاقتصاد العالمي.. وقد أثير سيناريو الجائحة على السياسة الاقتصادية، حيث ان الأزمة الصادمة للطارئ الصحي وإجراءات الاحتواء ، أدت الى عدم اليقين بشأن مدة الصدمة ودرجة حدتها، في ظل تقلبات الظروف واختلاف درجة الاضرار من بلد الى آخر، وان دور السياسة الاقتصادية سيكون مختلف أيضا.

ففي الأزمات العادية، يسعى صناع السياسات إلى تشجيع النشاط الاقتصادي عن طريق تحفيز الطلب الكلي، لكن في هذه الازمة، معظمها يرجع إلى تبعات إجراءات الاحتواء، مما يزيد من صعوبة تحفيز النشاط، ويجعله أمرا غير مرغوب، على الأقل بالنسبة للقطاعات الأكثر تضررا.

أما التوقعات للاقتصاد العالمي في ظل الجائحة فتتمثل بالإجراءات الصحية العامة اللازمة لإبطاء انتشار الفيروس وحماية الأرواح، وإتاحة الفرصة لنظم الرعاية الصحية كي تتعامل معها على نحو فعال.

واحدة من انعكاسات الازمة هو مرور الاقتصاد العالمي هذا العام بأسوأ ركود تَعَرَّض له منذ سنوات “الكساد الكبير”، متجاوزا في ذلك كل تداعيات الأزمة المالية العالمية منذ عشر سنوات، ومن المتوقع أن يتسبب “الإغلاق العام الكبير”، كما يجوز أن نسميه، في انكماش النمو العالمي بشدة، ويعرف الركود الاقتصادي بأنه التقلص في الناتج المحلي الإجمالي والتراجع في الاقتصاد العام لمدة ستة أشهر أو أكثر، ويمكن ملاحظته من خلال؛ ارتفاع معدلات البطالة، وتراجع المبيعات وغيرها، إلا أنه لا يدوم أكثر من عام، ويعد أكثر اعتدالاً من الكساد الذي يدوم لفترة أطول، كما أنه يُعتبر جزءاً طبيعياً من الاقتصاد الرأسمالي، ومن انعكاس الركود هو فشل الأعمال التجارية، حدوث انهيارات في البنوك، النمو البطيء والسلبي في الإنتاج، ارتفاع معدلات البطالة، الاضطرابات الاجتماعية والسياسية وفشل الشركات والصناعات في الدولة.

في عام 2021، من المتوقع حدوث تعافٍ جزئي حيث يصبح النمو أعلى من معدلات الاتجاه العام، ولكن مستوى إجمالي الناتج المحلي سيظل أدنى من الاتجاه العام في فترة ما قبل الفيروس، لكن من غير الممكن التنبؤ بحجم التعافي ، في حال استمرت الجائحة وإجراءات الاحتواء مدة أطول، أو وقع ضرر أكثر حدة على اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، أو استمر تشديد الأوضاع المالية، أو إذا ظهرت آثار غائرة واسعة النطاق بسبب إغلاق الشركات واستمرار البطالة.

ومن الضروري زيادة الإنفاق على الرعاية الصحية وزيادة الوعي الصحي، وتشديد الإجراءات لضمان توافر القدرات والموارد اللازمة لنظم الرعاية ، وينبغي النظر في إعطاء معاملة خاصة للعاملين بالمهن الطبية الذين يقفون في الصفوف الأمامية لمكافحة الجائحة.

والأهم هنا على صناع السياسات التأكيد على سلامة البنية التحتية الاقتصادية والمالية للمجتمع، أي تعزيز النظام البيئي المناسب للتكنولوجيا المالية في دول العالم وبالأخص الدول العربية كونها تتأثر بسرعة أكبر أمام الازمات، مما يتطلب دراسة عميقة لتعزيز البنى التحتية، و تبادل المعرفة والخبرات، وتعزيز بناء القدرات وكذلك بناء شبكة من العلاقات بين الدول العربية والدول المتقدمة، والاستعانة بالخبراء في القطاعين العام والخاص لتعزيز الصناعة والتطوير الابتكار.

فيمكن استخدام التكنولوجيات الرقمية الجديدة لتقديم الدعم الموجه لتلك الدولة، ومن المشجع أن صناع السياسات في كثير من البلدان كي يواجهوا هذا التحدي غير المسبوق بالإسراع باعتماد مجموعة واسعة من الإجراءات الاحترازية سوا سياسية او صحية او مجتمعية .

إن الاستثمار في البنى التحتية مهم جدا لجعل اقتصاد الدول بالأخص ( النامية) رصين ويواجه الازمات باقل الخسائر من خلال:

• الاستثمار في البنى التحتية الأساسية المستدامة، كونه أمر أساسي لتحسين المستويات المعيشية للمجتمعات المحلية في جميع أنحاء العالم.

• وتمثل الاحتياجات الإنسانية المشتركة في جميع أنحاء العالم. بيد أن مجرد كونها أساسيات، لا يعني أن معالجة هذه الشواغل بالشكل الصحيح مهمة يسيرة. وفي حالة البنى التحتية، تقتضي هذه الأساسيات تخطيطا منسقا على المدى الطويل يمتد عبر الحدود الجغرافية والسياسية والثقافية.

البنى التحتية سلسلة متكاملة من البناء، مثلا مستشفى ما لا يمكن أن يؤدي وظيفته دون أطباء وأجهزة متطورة وبناء متكامل يبدأ من الأساسيات الى شبكة متينة للتخلص من النفايات الصلبة، كما لا يمكن لشبكة للنفايات بدورها، أن تعمل دون المعارف المكتسبة والمطبقة والمؤسسات والموارد اللازمة لإدارتها. بيد أنه عندما نتحدث عن البنى التحتية، فإن هذا الفهم الذي يتجاوز ما هو مباشر لا يزال يُغفل في الأغلب. ونحن بحاجة إلى تحول في هذا النوع من التفكير.

ومن دون بنى تحتية لن يكون لدينا مجتمع سليم. إذ تتطلب خدمات أساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم بنى تحتية. ولكي تعمل المجتمعات المحلية والأعمال التجارية وتزدهر، فهي بحاجة إلى الوصول إلى السلع والأسواق. ويجب أن تلبي البنى التحتية احتياجات المجتمع، ولكن ينبغي أيضا أن تُقيَّم بناء على نتائجها على المدى الطويل، بما في ذلك الموارد المطلوبة لضمان طول عمرها.

ويمكن أن يؤدي تقديم تسهيلات واسعة النطاق للتحفيز وتوفير السيولة بهدف الحد من الضغوط النظامية في النظام المالي إلى رفع مستوى الثقة والحيلولة دون حدوث انكماش أعمق في الطلب عن طريق الحد من توسع الصدمة في النظام المالي وتعزيز توقعات التعافي الاقتصادي في نهاية المطاف.

قيام عدة بنوك مركزية بدور حيوي، وأدت إلى تجنب هبوط أكثر حدة في أسعار الأصول ومستوى الثقة. ومن الإجراءات التي اكتسبت أهمية خاصة في هذا الصدد تفعيل وإنشاء خطوط لتبادل العملات بين البنوك المركزية الكبرى من أجل توفير السيولة الدولية.

وختاما سيتغير المشهد الاقتصادي كثيرا طوال مدة الأزمة وربما لفترة أطول من ذلك مع زيادة انخراط الحكومات والبنوك المركزية في الاقتصاد، والاقتصادات المتقدمة في وضع أفضل لتجاوز الأزمة بما تتمتع به من قدرات قوية في مجال الحوكمة، ونظم رعاية صحية جيدة التجهيز، وميزة إصدار عملات الاحتياطي. ولكن هناك العديد من اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية التي لا تملك أصولا مماثلة وتواجه أزمات صحية واقتصادية ومالية متزامنة، وستكون بحاجة إلى مساعدة الدائنين الثنائيين من الاقتصادات المتقدمة ومساعدة المؤسسات المالية الدولية.

وسيكون التعاون متعدد الأطراف ضروريا، فبالإضافة إلى تبادل المعدات والخبرة المتخصصة لتعزيز نظم الرعاية الصحية حول العالم، يجب القيام بجهد عالمي يضمن للبلدان الغنية والفقيرة على السواء الحصول على الأدوية واللقاحات المطلوبة لفيروس كوفيد-19 فور التوصل إليها. وسيحتاج المجتمع الدولي أيضا إلى تكثيف المساعدات المالية لكثير من اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية. وبالنسبة للبلدان التي تواجه مدفوعات كبيرة لسداد ديونها، قد يتعين النظر في تأجيل سداد الدين وإعادة هيكلته.

ولمنع تكرار الصدمة العالمية من تلك الازمة يجب ان تتخذ إجراءات اكثر حرصا من قبل منظمة الصحة العامة والاقتصاد العالمي معا من خلال تحسينات في البنية التحتية للصحة العامة العالمية – زيادة تبادل المعلومات عن الأمراض المعدية غير المعتادة وتعزيز الطابع التلقائي لهذا التبادل، والتبكير في اختبارات الكشف عن الفيروس وتوسيع نطاقها، وبناء مخزون عالمي من معدات الوقاية الشخصية، ووضع بروتوكولات تحظر القيود على التجارة في المستلزمات الضرورية.

وأخيرا.. رغم الظروف العصيبة، يجب ان نرى انفراجا قريبا للازمة، ففي البلدان الأكثر إصابة بهذه الفاشية، انخفض عدد الحالات الجديدة بعد تطبيق ممارسات التباعد الاجتماعي بقوة. وهناك آفاق واعدة أيضا يحملها العمل غير المسبوق الجاري الآن على قدم وساق لإيجاد علاجات ولقاحات مضادة للفيروس. وستساعد إجراءات السياسة الاقتصادية العاجلة والكبيرة التي اتخذت في كثير من البلدان على حماية الأفراد والمؤسسات، مما يحول دون حدوث معاناة اقتصادية أكثر حدة ويخلق الظروف المواتية للتعافي.

وحدة الدراسات الاقتصادية

مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.