أطوباوِيٌّ أنتَ ؟


07 Mar
07Mar

أطوباوِيٌّ أنتَ ؟        

سعدي يوسف

في ما ألِفْناهُ من عربيّةٍ  ، يُمْكِنُ أن نضع مرادفاً أو إثنَين ، لهذا السؤال :

أخياليٌّ أنتَ ؟

أمُخْــتَلٌّ أنتَ ؟

ذلك لأن كلمة طوباوِيّ ، وهي نسَبٌ إلى " طوبَى "  ، تعني في سايكولوجيّة الإنزياح ، شخصاً ذا أوهامٍ .

لكنْ ، سرعانَ ما يختلف الأمرُ جدّاً ، حين نعود إلى الأصل الحضاريّ ، والرِّسِّ اللغوي للكلمة :

يوتوبيا   Utopia

الكلمة مركّبةٌ في الأصل الإغريقي من :ou أي " لا " ، ومن topos أي : مكان .

هكذا تعني الكلمة في الأصل : لا مكان .

لكن هناك ميلاً آخر إلى معنى " المكان الطيّب " eu-topos

*

هذا الإستطرادُ مَرَدُّهُ أنني كنت موَلّهاً في الأيّام العشرة الماضية بقراءة النصّ  ذي الإنجليزيّة المعاصِرةِ ، لكتاب توماس مور " يوتوبيا " ، المكتوب أساساً باللغة اللاتينية ،  والذي كانت طبعتُه الأولى في العام1518 بمدينة بازِل السويسريّة .

*

ولِدَ توماس مور في العام 1478

وأُعدِمَ بقطع الرأس في العام 1535

*

عاصرَ توماس مور اثنين من ملوك إنجلترا  : هنري السابع ، وهنري الثامن .

وتولّى مناصبَ رفيعةً بينها رئيس البرلمان ، ووزير الخزانة .

لكنه كان على خلاف مع هنري الثامن ، حول زواج الملك من آن بولين ( التي قطَعَ الملكُ رأسَها ) ، وطبيعة

علاقة الملك مع روما . كما رفضَ أن يُقْسِمَ يمينَ الولاء لهنري الثامن . هكذا سُجِن في برج لندن الشهير  ، ثم أُعدِمَ بقطع رأسه ، في السابع من تموز ( يوليو )  1535.

في العام 1935 ( أي بعد أربعمائة سنة من إعدامه ) طوّبَه البابا بيوس الحادي عشر ، قدِّيساً .

*


قد قلتُ إني أمضَيتُ عشرة أيّامٍ من حياتي ، أقرأُ  " يوتوبيا "  توماس مور .

هل لي أن أقولَ إن تلك الأيامَ العشرةَ كانت من أجدى أيّام حياتي ؟

الحقُّ أنني أغبِطُ نفسي .

*

يرى كاوتسكي النمساوي ّ ، سكرتير فريدريك إنجلز ، ومَن جمعَ وأعَدَّ المجلّدَ الأخير من " رأسمال " ماركس ، بعد رحيل ماركس ، أقولُ : يرى كاوتسكي أن  " يوتوبيا " توماس مور كانت المبشِّر بالإشتراكية ، بل بالشيوعيّة !

*

" اليوتوبيا " في أسلوبها ، اختارت فنَّ القصص ، فالمؤلف يلتقي مصادَفةً ، السيدَ هيثلودَي الذي كان مع القبطان أمريكو فيسبوشي  ، وهو مَن بلغَ القارة الجديدة ، بتكليفٍ من ملك البرتغال . يحكي السيد هيثلودَي عن بلادٍ ربما كانت " البيرو " الحاليّة ، وعن أحوال الناس فيها وأطوارِهم . المجتمعُ المساواتيُّ القائم في تلك البلاد يقتربُ في تفاصيله من أحلام مَن يهوَونَ المساواتيّةَ سبيلاً : لا نقود ، لا أغنياء ، السكنُ للجماعة ، والمأكلُ للجميع في موائدَ للجميع !

*

نَصٌّ من اليوتوبيا

الأكبرُ سنّاً في أيّ منزل ، كما أسلفتُ ، هو مَن يُسَيِّرُ الأمورَ . الزوجةُ لزوجِها ، والطفلُ لأبَوَيه . والصغيرُ يخضعُ للكبير عموماً . كل مدينةٍ  مقسَّمةٌ إلى أربعة أقسام متساوية . ووسط كلِ قسمٍ سوقٌ لكل صنوف البضاعة . منتَجاتُ البيوتِ يؤتى بها إلى هنا لتُخزَنَ في مستودَعاتٍ ، مقسّمةٍ حسب نوع المنتوج . إلى هنا يأتي مُدَبِّرُ المنزلِ ليأخذَ ما تحتاجه الأسرةُ ، ويمضي به إلى المنزل ، بدون أن يدفعَ شيئاً أو عوَضاً . لِمَ يُحْرَمُ ممّا يريدُ ؟ ثمّتَ وفرةٌ في كل شيء ، وليس هناك خوفٌ من أن يأخذَ المرءُ أكثرَ من حاجته .


تورنتو 24.06.2017

عن الموقع الرسمي للشاعر


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.