استرخاص الكاتب العربي.. حول الاضراب المفتوح لكتاب السيناريو تاريخيا


21 Feb
21Feb

استرخاص الكاتب العربي.. حول الاضراب المفتوح لكتاب السناريو تاريخيا
كوليت بهنا
الكتاب الورقي لم يَحتل مكانه على الرف أمامي إلا بعد رحلة عناءفي العام 2007، تعرضت صناعة الترفيه الأميركية والوظائف المرتبطة بها إلى خسائر قدرت حينها بأكثر من 22 مليار دولار خلال فترة زمنية قصيرة لم تتجاوز ثلاثة أشهر ونصف.
خسائر مهولة نتجت منطقياً بسبب توقف كتّاب السيناريو في هوليوود والساحل الشرقي عن الكتابة ودخولهم إضراباً مفتوحاً، أفضى لاحقا، وبعد مفاوضات عسيرة، إلى اتفاق اقتضى تعديل عقودهم وأجورهم المتعلقة بنسب حقوقهم المالية، نظير انتشار أعمالهم عبر الإنترنيت والأجهزة النقالة وأقراص الفيديو وغيرها.
يتم استحضار هذا الإضراب التاريخي والاستشهاد بجدواه حول تأثير غياب أو توقف "النص" ودوره كركيزة أولى رئيسة، في كل مرة يجتمع فيها بعض كتّاب السيناريو العرب للتباحث حول حقوقهم والمشاكل التي يواجهونها مع المنتجين، مع الفارق الشاسع بين شروط الإنتاج العربي والغربي، من حيث عدم تفعيل القوانين الناظمة للعمل الفكري في عدد من بلدان العالم العربي كما يجب.
يحضر كتّاب السيناريو هنا كأنموذج لا أكثر، إذ لا ترتبط جذور مثل هذه المشاكل حول خلاف هنا أو هناك، بل تتعلق في بعدها العميق بالنظرة العامة المستخفة لمجمل طبيعة العمل الفكري في العالم العربي، وتنسحب على جميع أصحاب القلم ممن يمتهنون العمل الكتابي بأشكاله كمصدر وحيد للعيش.
إذ كثيرا ما واجه كتاب مكلَّفون في الإعلام الورقي من صحافيين ومحررين ومترجمين ونقاد أو غيرهم، مشاكل لاتحصى مع مالكي المؤسسات الإعلامية والصحفية أو الفكرية أو الفنية تتعلق بحقوقهم التي تضيع بمجملها أحياناً، أو يُقتص الجزء الأكبر منها بسبب غياب العقود القانونية الحقيقية الناظمة، أو تهرب الجهات الخاصة في معظم الأوقات من شرط التعاقد لأسباب ومخاوف ضريبية والإقرار بحقوق العمل الفكري.
ويلجأ أحيانا بعض أصحاب المؤسسات الخاصة، إلى استعمال اللغة التعاطفية وأسلوب "السخرة"، للطلب من أحدهم أو عدد من الكتاب المشاركة بالكتابة مجانا،ً بذريعة عدم توفر الموارد المالية أو الضائقة المالية التي تمر بها المؤسسة أو أية ذرائع أخرى، ليكتشف الكاتب لاحقا حجم الخديعة التي جعلت هذه المؤسسة تستمر لسنوات بجهوده وجهود زملائه الكتّاب.وهو توجه ازداد في السنوات الأخيرة، مع تحول النشر في معظمه إلى المواقع الإلكترونية، حيث باتت جهود الكتّاب وغيرهم تسرق بشكل علني ودون مواربة، عبر إعادة نشر بعض النصوص دون استئذان أو أجر أو أي اكتراث بمعنى الحقوق، وفي حال اعتراض الكاتب، تتم إجابته - إن تمت إجابته- بأن المؤسسة قدمت له خدمة جليلة ووسعت من شهرته، ومن هذه الإجابات التي تصب جميعها في باب استرخاص الجهد الفكري.
يحدث أحيانا أن تمر بعض المؤسسات بأزمة طارئة وتعيش ضائقة حقيقية وصادقة، ويحدث أن يتعاطف أو يتضامن عدد من الكتّاب مع هذه الضائقة تبعا لعلاقاتهم مع أصحاب هذه المؤسسة، وإيماناُ منهم بعراقتها وأهمية دعمهم لها لأجل استمرار رسالة العمل الفكري، ويقدمون طواعية وبرضاً كامل منهم على الكتابة دون مقابل إلى حين تجاوز مؤسستهم الصديقة لضائقتها، فيما تكمن المفارقة في السياق، أن المشاكل المالية حصرا، لا تحدث في المؤسسات الحكومية، ولا تضيع الحقوق في سجلاتها الرسمية،
رغم أن العائد المادي الذي تقدمه المؤسسات الحكومية أقل بكثير جدا عن القطاع الخاص، إلا إنه يعتبر حقا طبيعيا لأية مشاركة وجهد كتابي يقدمه كاتب، حتى لو كان أجرا بخسا أو رمزيا.
ليس الأمر بجديد أو طارىء، حيث عومل على الدوام أصحاب المهن التي تتطلب جهدا بدنيا على أنهم يشقون ويكدّون، وبتقدير مادي يساوي مقدار كل جهد جسدي مبذول أو يحدد بالاتفاق المتبادل بين الطرفين. فيما لايتم الاعتراف وتقدير قيمة العمل الفكري كما يجب أو اعتباره جهدا، وهو الأمر الذي دفع ببعض الكتاب إلى امتهان أي عمل آخر، أو الانخراط في أية وظيفة تدرّ عليهم دخلاً يكفي قوت يومهم، ويعوض شحّ المورد المالي الذي تجلبه الكتابة.
كثيرة هي الأمثلة عن المشاكل وهضم الحقوق التي يتعرض لها أصحاب القلم في العالم العربي، وهو أمر من النادر أن يواجهه الكاتب العربي مع المؤسسات الغربية التي تقدر جهده الفكري وتدفع له مايوازيه في معظم الأوقات. كما إنها مؤسسات تتقيد بالتقاليد القانونية والمهنية وتشترط التعاقد مع أي كاتب مكلَّف مسبقاً وتوضح له حقوقه القانونية الكاملة دون لبس أو مواربة، ولا تقدم مؤسسة أو موقع إلكتروني أو أكاديمية على نشر أي نصّ دون اتفاق مسبق مع صاحبه، أو تترجم لأحدهم دون موافقة واتفاق مماثل، أو تنشر صورة تعود ملكية حقوقها لفرد أو جهة ما.
من النادر أن يكون الكتّاب العرب من أصحاب الثروات، وعلى الدوام، ارتبطت مهنة الكتابة في العالم العربي بالصداع وضيق ذات اليد وسلسلة طويلة من المتاعب، وقد يكون استرخاص الكاتب وهضم حقوقه أهون المرارات، مقارنة بالمخاطر والهواجس التي تلاحق طبيعة عمله باستمرار، وتحضر في السياق طرفة متداولة من نوع الكوميديا السوداء تقول إن أحد السجناء طلب من إدارة السجن أن يحضروا له كتاباَ ما، فأجابته الإدارة بكل تهذيب ولطف إنَّ الكتاب غير متوفر، لكن مؤلف الكتاب موجود لديهم.الشرق الاوسط للارسال

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.