الإحصائيات تجيب : هل لديك وقت لقراءة كتاب من 600 او 800 صفحة؟


09 May
09May

الإحصائيات تجيب : هل لديك وقت لقراءة كتاب من 600 او 800 صفحة؟

قيس العذاري

 لا يدرك كثيرون او ينتبهوا ان عصرنا قد تبدل. لم يعد فيه من يقرأ رواية من 500 صفحة او اكثر مثلا، سوى نفر قليل من المتخصصين والمعنيين، والكاتب لا شك لم يكتب روايته لهؤلاء، وانما للقراء او فئات واسعة من القراء، اما المتخصصون فهم تحصيل حاصل، وهدفه الحقيقي الوصول الى اكبر عدد ممكن من القراء، باكثر من لغة بواسطة ترجمة عمله  او توسيع انتشاره. والسؤال هل توجد هذه النوعية من القراء في عصرنا، عصر المعلوماتية؟ لا نظن ذلك وان وجدوا فان اعدادهم لا تتجاور خانة المئات، وفي النتيجة تذهب جهود الكاتب او الروائي سدى. اولا، يتمكن من الوصول الى مبتغاه رغم ما بذله من جهود استثنائية انتجت عملا ضخما ومهما، ولكن في الواقع بدون قراء او قراء لا يتجاوز عددهم عدد صفحات الرواية.

كل شيء تبدل في عصرنا، عصر المعلوماتية والاتصالات وسرعة تداول الاخبار والمعلومات وانتشارها لم تترك مجالا للقراء او الوقت الكافي لقراءة اعمال ضخمة تتطلب جهدا ووقتا، بينما يمكنه ان يجد ما يحتاجه من اخبار ومعلومات ومصادر بجميع التخصصات خلال ثوان معدودة، ثم لا تتجاوز اعمال القراءة ان كان من هواة القراءة المتعة او قضاء الوقت او التسلية والفائدة باحسن الاحوال. وفي احصائيات تكررت كثيرا باشكال واساليب مختلفة، تفوق ما يقرأه الفرد من رسائل نصية تصله على الموبايل على ما يقرأه في الكتب والمجلات والجرائد، ولكن الحقيقة ان عدد قراء هذه الاصدارات تضاعف في العالم الرقمي او على الانترنيت.

ليس هذا فقط انما هناك احصائيات تؤكد ان الفرد يقضي وقتا اطول مع الموبايل والكمبيوتر واللوحي في قراءة الرسائل النصية والاخبار والجرائد والمجلات والبحث عن المعلومات وسواها من قضاء الوقت باي نشاطات اخرى، وهذه من سمات او من الحقائق الجديدة التي اوجدها عالمنا المعاصر عصر المعلوماتية.

اصبحت فيه قراءة الكتب مسألة ثانوية او ليست اولوية لدى مختلف شرائح المجتمع، ومنهم الطلاب والدارسون، فبدلا من الذهاب الى المكتبات العامة والمكتبات الخاصة واسواق الكتب، يلجؤون الى المواقع الرقمية للحصول على الكتب والمصادر والمعلومات بشتى انواع التخصصات العلمية والادبية، وتزداد متابعاتهم للصحف والمجلات على العالم الرقمي الذي توفره مواقع الصحف والمجلات على الانترنيت بدلا من اقنائها او شرائها كما كان يحدث في الماضي، ومع ذلك فان هذه القراءات ليست اولوية او تدخل في باب ازجاء الوقت والمتعة والتسلية، حسب هذه الاستطلاعات والاحصائيات، وابراز خصائص عصرنا الجديد عصر المعلومات والاتصالات الفورية التي تشكل ركائز هذا العالم المدهش بوسائله واساليبه التي غيرت نمط حياتنا وتفكيرنا دون ان نشعر او نتلمس تلك التغيرات بشكل واضح، يمكننا ان نفرز تلك التطورات، وما احدثته من تغيير في اساليب العمل والادارة والمراسلات ونمط التفكير وطرائق حصولنا على الاخبار والمعلومات.

لا يمكن في كل الاحوال، الجزم بصحة هذه الاحصائيات رغم واقعيتها، فهنالك احصائيات في المقابل تشير الى ان عادات القراءة رغم هذه التطورات السريعة والمدهشة، لم تتغير وبعيدة عن التأثر بهذه التطورات، لتصل الى درجة تفوق العالم الرقمي على ما عداه من وسائل الحصول على المعلومات والاخبار والمصادر، بل بالعكس سهل العالم الرقمي وسائل البحث وسرعة الحصول علي المعلومات والاخبار بما لا يقاس باستخدام الوسائل القديمة، اي انه عمل بشكل ايجابي على نشر وتوسيع دائرة الحصول على المعلومات بشتى التخصصات بوقت قياسي مقارنة بالوسائل القديمة. وكمثال فان عدد قراء الجرائد والمجلات والكتب ومقتني المصادر التخصصية من الطلاب والدارسين، لم ينخفض بل ارتفع، ولكن وسائل او طرق الحصول على محتويات الجرائد والمجلات والكتب او طرق واساليب قراءتها تغيرت.

وتتوصل الدراسات من خلال احصائياتها الى ان هذه الوسائل تكمل بعضها بعض، ولا توجد كفة مرجحة سواء بالنسبة لاعداد القراء التي ادعت بانهم في تزايد او في الوسائل المتبعة في القراءة بين العالم الرقمي عبر الانترنيت او من خلال اقتناء الصحف والمجلات والكتب والمصادر بشتى اختصاصاتها العلمية والادبية.

اما قراء المؤلفات الضخمة فادعت ان نسب القراءة لهذه المؤلفات لم تتغير او يؤثر عليها عصر المعلوماتية بل زادت او ارتفعت من خلالها نسبة قراءة مثل هذه الاعمال والمؤلفات التي يصل عدد صفحات بعضها 700 او 800 صفحة، بل ان عصر المعلوماتية سهل الوصول اليها او قراءتها عبر الانترنيت، فبدلا من اقتنائها صار من الممكن الوصول اليها او الحصول عليها او قراءتها وتصفحها على الشبكة العنكبوتية خلال فترة زمنية قياسية قصيرة دون عناء او جهد كبير.

ليس لدينا في كل الاحوال ما يمكننا تأكيد دقة هذه الدراسات او الاحصائيات بشكل خاص. لكن يمكننا الجزم ان هناك عصر تشكل واصبح واضحا تغلغل بجميع شؤون حياتنا اسمه: "عصر المعلوماتية"، فرض علينا طرقا جديدة في اساليب العمل والادارة والمراسلات وطرق واساليب الحصول على المعلومات والمراجع والمصادر، اضافة الى ما وفرته مواقع التواصل المرتبطة به او التي تشكل احدى نتائجه الحقيقية او الملموسة، وفرت لنا وسائل مجانية وسريعة الانتشار للتعبير عن الرأي وتبادل المعلومات والاخبار باستخدام تقنيات كانت بيد من يملكون السلطة والمال فقط، بوسائل تقنية عالية الجودة، وتحتوي على جميع المؤثرات الاعلامية المقروءة والمرئية والمسموعة بجميع اللغات.

وهناك اضافة جديدة اكدها عصر المعلوماتية، وهي من بين اهم ما افرزته تقنياته المغايرة والفورية، ارتفاع عدد المساهمين بصياغة الرأي العام حول مختلف القضايا السياسية والثقافية حول العالم، سواء القضايا الوطنية او الدولية بمشاركات غير مسبوقة تصل الى ملايين وعشرات الملايين مشاركة أحيانا، وهذه الميزة لا يمكن ان تتحقق بوسائل او عصر الاتصالات القديمة.

في الحقيقة يصعب احيانا تصديق ما توصلت اليه الدراسات المذكورة، ان عصر المعلوماتية ازدادت فيه قراءة الكتب والمؤلفات الضخمة والطويلة لسرعته ودقة وسائل اتصالاته الفورية، التي تختصر الزمن او تختزله الى ابعد الحدود بحيث يصعب تصور وجود قراء لمثل تلك الاعمال الضخمة والطويلة مهما كانت درجة اهميتها خاصة من الاجيال الجديدة ، او تظل في دائرة المختصين والمعنيين، دون ان تثير اهتمام القارئ، ولانه اخيرا ان مثل هذه الاعمال لا تدخل في باب الترفيه او التسلية، وتتطلب المزيد من الوقت والجهد لفهمها او التفاعل معها. قد نجد بعض الاستثناءات، لكننا نقصد القراءة العمومية التي تمثل مختلف فئات او شرائح المجتمع على اختلاف المستويات السياسية والثقافية، اضافة الى ان من سمات عصرنا، عصر المعلوماتية انه يميل الى اختزال الزمن او اختصاره، الذي تعودت عليه الاجيال الجديدة من خلال ارتيادها مواقع التواصل الاجتماعي، وبحثها الدائم عن الاخبار والمعلومات والمصادر في الشبكة العنكبوتية. 

لكننا يمكن ان نتفق مع هذه الدراسات او الاحصائيات الى ان عدد القراء ازداد او في تزايد وليس العكس، ولكن اختلفت او تنوعت اهتماماته وقراءاته، واصبحت اكثر تخصصا ونوعية من السابق اي قبل عصر المعلوماتية ، الذي تغلغل في جميع شؤون حياتنا، وهناك من يسميه عصر الالكترونيات ولكن في الحقيقة هذه التسمية الوجه الاخر لعصر المعلوماتية التي تشكل الالكترونيات بمختلف استعمالاتها هيكله الاساس وقدرته على الوصول الى الجميع بطرق غير معقدة وسهلة وبتكلفة مالية قليلة، مقارنة بوسائل الاتصالات القديمة او عصر ما قبل الالكترونيات او المعلوماتية. والتسمية الاخيرة هي الاكثر تداولا في الدراسات المثيرة حول عالمنا الجديد المسمى عصر المعلوماتية، وافاقه غير المحدودة التي نتجت عنها الاتصالات الفورية، وسهولة الحصول على المعلومات والمصادر.

لاشك ان هناك يعض الكتب تتجاوز عدد صفحاتها 1000 صفحة واكثر وبعضها عبارة عن سلسلة مجلدات تخصصية ، معلوم ان مثل هذه الكتب والمجلدات خارج اطار هذه الاحصائات لانها تهم فئة محددة من الاختصاصيين ولا تهم عامة القراء . او لا تدخل في اطار القراءة العامة غير المتخصصة ، وعدد القراء محدود . مع ملاحظة ان هذه الاحصائيات رغم اعتمادها على بيانات علمية نسبة الخطأ فيها ضئيلة جدا ، الا انها متغيرة نتيجة للتطورات السريعة في عالمنا المليء بالابتكارات الجديدة التي نصحو عليها كل يوم ، وبعضهم يحسب التطورات الجديدة والابتكارات الجديدة بالساعات ، ويكاد لا يمر اليوم دون ان نسمع عن ابتكارات جديدة تحمل خصائص جديدة بمختلف الاستعمالات ، وهذه جمعيها تؤثر بشكل غير مرئي بسلوكنا وعاداتنا دون ان نشعر بها احيانا ، وتبعا لذلك تتغير عادات القراءة ، واساليب العمل ، ولا يمكن اعتبار الاحصائيات مطلقة او صحيحة بالمطلق ، نتيجة لهذه التطورات . 

قيس العذاري

______________________  

مصادر

/ احصائيات حول السوشيال ميديا

/ تقرير مجموعة "دراسة سوق الكتب" بي اي س جي


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.