اللوحات التشكيلية والمنحوتات والاعلانات بحيز النظر


26 Jun
26Jun

اللوحات التشكيلية والمنحوتات والاعلانات بحيز النظر

قيس العذاري

هنالك الكثير من البحوث الفنية بحاجة الى استكشاف ، بعد ان غزت الغثاثة البحوث المدعية المعرفة او شؤون الثقافة ، الثقافة بمفهومها العام تشمل كل شيء في حياتنا ، ومنها كمثال عاداتتا الغذائية ونوعه والاثاث باعتباره احد المنتجات الابداعية والفنون الحياتية وهذا الجانب او المنحى الفني والحياتي من اكثر الفرع الفنية تطورا ،ولكن عدم الاهتمام به لا يلغي اهميته في الحياة اليومية ، وربما يفوق في الحياة العملية الكثير من الفروع الثقافية والفنية الاخرى ، لكنه غير منظور بحكم العادة او الالفة . الدخول الى صالة بيتية بسيطة ستشكل اللوحات التشكيلية والمنحوتات جرءا يسيرا من مكوناتها بينما الاثاث يشكل النسبة الاكبر من لوحة الصالة ، ويلعب الفراغ او الفراغات دورا اساسيا بالتشكيل العام لها او ما تتركه من انطباعات سلبية او ايجابية . وهناك جانب مخفي او غير محسوس فالصالة اضافة الى تأثيرها الفني بشكل مباشر اذا احسن اسغلال مكوناتها مع تناسب الفراغات بداخلها لها تأثير نفسي غير محسوس ، ولكنه يشكل احد اهم غايات الصالة من الناحيتين الفنية والجمالية .

وقد يفوق رواد الصالات البيتية رواد المعارض التشكيلية او النحتية باعتبارها ملتقى افراد العائلة والضيوف من مختلف الشرائح والمستويات الثقافية والاجتماعية . وقد تشكل بعض نماذج من هذه الصالات دافعا لتقليدها وانتشارها باشكال وترتيب مختلف ومتباين يفوق تأثير اللوحة التشكيلية او المنحوتة التي تعرض وتختفي خلال ايام معدود . 

مما يؤشر ان الفنون بمستوياتها التقليدية المعروفة لم تعد الرافد الوحيد للثقافة الفنية على مستوى الافراد او المجتمع . فقد انتقلت الى حياتنتا العملية بشكل غير محسوس او تقليدي غير واضح من الوهلة الاولى ، ودخلت الفنون والابتكارات سواء بتصاميمها الفنية او طرق استعمالاتها بشؤون حياتنا اليومية والاجتماعية ، واصبح الفن جزءا غير محسوس نصادفه بكل مكان تقريبا ،اثناء تجوالنا في المدن والاسواق، نصادف معارض فنية بشكل يومي تبيع مختلف المواد واللوازم الضرورية ، اضافة الى انها تحتوي على المؤثرات المفترضة لمعارض الرسم او النحت اي الجاذبية والتأثير الذي يغني الثقافة الفنية وينمي الذوق الفني العام لدى المشاهد اوالمستهلك .  

والمثال الاقرب اذا اخذنا احد الشوارع او المنتزهات فان المنحوتات او النصب تشكل حيزا صغيرا من الشارع او المنتزه قياسا بفضائه ، تطغى مكونات الشارع الاخرى خاصة اذا كان تجاريا على المنحوتات والنصب اوحتى الابنية التراثية واشكالها الفنية والمعمارية ، اذا كانت تقع ضمن الشارع او فضائه العام ، فان نصب ومنحوتات الشارع او المنتزه ليست وحدها من يقرر جاذبية الشارع او المنتزه او الرافد الوحيد لتشكيل الذوق الفني للرواد وانما احد روافده الاساسية . 

القشلة وشارع المتنبي والرشيد وابو نؤاس وحيز المكتبات بشارع السعدون عبارة عن لوحات تشكيلية متحركة او غير ثابتة سوى عناصر محدودة فيها او تقع ضمن مكوناتها كلوحات تشكيلية . تشكل احد الروافد الاساسية للتأثير في الذوق الفني العام مع بعض الخصوصيات رغم انها ليست كذلك بمفهوم الفن التشكيلي وتقنياته ، ورغم ان تأثيرها يفوق تأثير معارض الفنون التشكيلية مهما كانت شهرتها وانتشارها ، يظل تأثيرها محدودا قياسا باللوحات التشكيلية المتحركة لتلك الشوارع والفضاءات وحجم تأثيرها على الذوق العام .

هذا بطبيعة الحال لا يقلل من اهمية اللوحات التشكيلية او الفنون التشكيلية والمنحوتات وتأثيرها ، رغم اننا نعتبرها مؤشرات على ان اللوحة والمنحوتة لم تعد معزولة عن الحياة ، وانما دخلت في العديد من نواحي حياتنا العملية بطريقة او باخرى ، ولم يعد الفن التشكيلي او النحتي قابلا للتاثير او المساهمة بصياغة الذوق العام اذا ظل حبيس ابراجه العالية والمتعالية ليتغلغل بشؤون حياتنا ومقتنياتنا واشكالها المجسدة لهذه الفنون والابتكارات . 

وعلى الصعيد الادبي لم يعد الشعر ديوان العرب ، او الرافد الاساسي لتطوير اللغة خاصة الشعر التقليدي او العمودي منه واصبح تأثيره ودوره ثانويا وعدد قراء الشعر  وصل الى ادنى مستوياته قياسا بالفنون الكتابية المعاصرة ، علما ان الشعر العمودي ظل في تأريخ الادب تحت اسم : الشعر التقليدي ويرجع السبب الى انه حصر بقوالب جامدة ومحددة من الصعب وربما استحالة اضافة اشياء جديدة او عمل تجديد ضمنها يمكنه من مواكب تطورات عصرنا . وجدل التقليد او التشبه بالمعاني السابقة اوالمطروقة انتبه لها نقاد الشعر منذ ما قبل عصر ابو هلال العسكري ومن الامثلة على التقليد وتوليد المعاني نفسها . يذكر العسكري في كتابه :"ديوان المعاني" ان ابا عمرو بن العلاء قال لاصحابه يوما : ما احسن ما قيل في العيون قال بعضهم قول جرير :

ان العيون التي في طرفها حور

قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به

وهن اضعف خلق الله انسانا

ويواصل العسكري بالقول : اخذ بعض المحدثين قول جرير "وهن اضعف خلق الله انسنا" فقال :

كأنما ازدادت قوى اجفانها

ضعفا تقوين على ضعف القوي

ومثله قال الناشئ :

لا شيء اعجب من جفنيه انهما

لا يضعفان القوي الا اذا ضعفا

الغرض من ذلك ان الشعر التقليدي بمجمله يولد نفس المعاني المكررة باساليب مختلفة واطلق في عصرنا او صيغ بمصطلح منفرد دعي ب "التناص" والكثير من النقاد العرب ادعوا ان اصل المصطلح الغربي كتاب ابو هلال العسكري : "ديوان المعاني" وبغض النظر عن ذلك فان التناص بمفهومه الغربي ابعد من عملية توليد نفس المعاني باساليب مختلفة وبذلك عجر الشعر العمودي عن مواكبة شؤون عصرنا ، وطغى النص على ما عداه وتراجعت كذلك نتيجة لهذه التطورات قصيدة التقعيلة التي شكلت في الستينات وما بعدها حضورا لافتا في الثقافة العربية ، ولكنها سرعان ما تراجعت كذلك لتفسح المجال للنصوص بشقيها النثري والشعري اخذ الصدارة في المشهد الشعري العربي .ولكنه  ظل تأثيره محدود بسبب تراجع عدد قراء الشعر عموما ، وبالتالي تراجع تأثيره وحضوره في في اعادة بناء الثقافة العربية او المساهمة بشكل فعال بمواكبة تطورات عصرنا .

هكذا تطورت الكثير من المفاهيم حول الثقافة والفنون ودورهما في بناء الذوق الفني والثقافي العام في المجتمع ، اهمها الخروج الى الشارع والمقهى والاسواق او النزول من الابراج العالية والمتعالية ، اذا ارادت ان تكون مؤثرة اومساهمة بتشكيل وبناء الذوق العام على المستوى الثقافي والفني او بدون التحصن في القوالب والاساليب القديمة التي فقدت تأثيرها وحضورها في المجتمع .الثقافة والفنون في الدول المتقدمة تغلغلت بجميع شؤون الحياة ونجدها في الاعلانات التجارية التي يشاهدها ملايين الافراد بينما نجد الثقافة والفنون في تراجع بمجتمعاتنا العربية ، عاجزة عن مواكبة ما يحدث من تطورات ثقافية وفنية . 

فاقتراب الفنون بفروعها المختلفة من الحياة العملية وعدم تحصنها داخل الجدران والابراج ، يساهم بشكل مؤثر في حضورها الثقافي وتأثيرها في المجتمع وتطوره الثقافي والفني ، كما يحدث في بقية الدول والمجتمعات رغم اختلاف مستوياتها الثقافية اوتطورها الحضاري والمدني .    



تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.