بعد ثلاث روايات "بطنها المأوى" لدنى غالي : عراقيون عند حافة الأشياء


24 Jun
24Jun

"بطنها المأوى" بعد ثلاث روايات لدنى غالي : عراقيون عند حافة الأشياء

محمد الأسعد

بعد ثلاث روايات ومجموعة قصص قصيرة للكاتبة العراقية دنى غالي، تميّزت بأسلوب سرد يتسلسل فيه زمن الأحداث في إطار مكانيّ متماسك، تنتقل الكاتبة بروايتها الرابعة "بطنها المأوى" منشورات المتوسط، إلى أسلوب سرد يتقطع فيه الزمن وتتعدّد الأمكنة، وبدل أن تتشكّل الرواية ضمن إطار واحد من حيث المكان، وتجري مجرى النهر من حيث الزمان، تتشكّل من شظايا أمكنة متباعدة، وشظايا أزمنة لا يتتابع فيها مجرى الزمن، فينتقل السرد من الحاضر إلى الماضي، ذهاباً وإياباً، ومن مكان إلى آخر من دون رابطة سببيّة، ويطغى هذا الأسلوب على جزء كبير من الرواية.

للوهلة الأولى يبدو هذا السرد عابثاً، يشبه إمساك الكاتبة بأوراق صفحات رواية، تبعثرها ثم تعيد تركيبها عشوائياً من دون مراعاة مخطط كتابتها الأصلي. فنقرأ نهايتها قبل أن تبدأ، وتنعطف بنا أحداثها الذاهبة قُدماً إلى الوراء فجأة، أو إلى مكان جانبيّ أو زمن بلا الزمن.. وهكذا.

هذا الأسلوب ليس عبثاً بالطبع، بل هو أسلوب تفرضه طبيعة حياة شخصيات الرواية، أعني طبيعة الشخصيات اللاجئة والمنفية. فزمن هذه الشخصيات، وهي شخصيات اللاجئين والمنفيين العراقيين، طالبي اللجوء في البلدان الأجنبية، أو الذين نجحوا وحصلوا على إقامات هناك، ليس هو الزمن التقليدي المعتاد المتسلسل، ولا مكانهم هو المكان التقليدي المستقر.

يتضمن المنفى انقطاع الإنسان عن معناه في كل ما يفعله

ولكي تكون الراوية قادرة على صياغة تجارب حياة هؤلاء المشرّدين بأمانة، وبأكثر ما يمكن أن يحمله السرد من حرارة "واقعية" تعلو على واقعية الأزمنة والأمكنة المستقرة، وتصلنا بالجوهر المأساوي الذي هو لبّ النفي عن الوطن، أو ما يتضمنه هذا النفي من انقطاع الإنسان عن معناه في كل ما يفعله ويواجهه ويفكّر فيه بعيداً عن الوطن، نجدها تلجأ إلى خاصية فنية هي المراوحة بين الأمكنة والأزمنة، إلى القطع والإلصاق كما يحدث في منتجة الأفلام السينمائية، تلك التقانة التي ابتغى مبدعها الروسي سيرغي آيزنشتاين الجمع بين لقطات لكل منها دلالتها، لا يجمعها زمن ولا مكان، وإنتاج دلالة ثالثة من هذا الجمع لم تكن موجودة في اللقطات الأصلية، وتلجأ إلى خاصية أخرى هي "تعدّد الأصوات"، ذلك المبدأ الفني الثمين الذي كشف عنه النقاد لدى كبار الروائيين، على الرغم من أنها لم تقدّم للقارئ سوى صوتين لا أكثر في المنفى، ومثل ذلك في الوطن كما سنرى. مبدئياً إذاً، يمكن القول إن الراوية اعتنت بخصائص الفن الروائي أولاً في الجزء الأول الذي تناول الحياة في المنفى، بينما اعتنت في الجزء الثاني بالهم الأيديولوجي بالدرجة الأولى.

وقارئ رواية من هذا النوع - تطمح إلى الإمساك بشتات أزمنة وأمكنة - يشعر أنه يدخل في متاهة ذات عدة مداخل، ولكن كل مدخل لا يؤدي إلى ما يفترض أنه ساحة جامعة لأطراف الزمن، أي أن تنبسط أمامه الرواية، بداية ووسطاً ونهاية، كما يحدث في الروايات التقليدية، بل تتوالى المداخل وتتشعب في كل اتجاه بلا توقف.

هذا الجزء من الرواية الذي تسميه المؤلفة "المتن"، وهو ما وصفناه بالمتاهة، سيتلوه الجزء الثاني الذي تسميه "الهامش" تطبيقاً لعنوان الرواية: "بطنها المأوى: رواية مع هامش". يبدأ المتن بالتوصية الموجهة إلى كل طالبي اللجوء في البلاد الغربية على وجه الخصوص: "يجب أن تسرد عليهم قصة محبوكة، وحذار أن ترتجل شيئاً. أكتب كل شيء على ورقة، احفظ كل شيء، اسمك إن كان منتحلاً، وكل الكلمات العامية التي تعود إلى المكان الذي أتيت منه، أو تدعي أنه كان مسقط رأسك. عليك أن تقنع المحقق أنك الأفضل لهذا الدور".

وبعد ذلك ينفتح على مشهد نرى فيه الشخصيتين الرئيسيتين في المتاهة، "عامر" طالب اللجوء، و"مريم" المقبولة كلاجئة وعاملة مع الصليب الأحمر، يلمح أحدهما الآخر من بعيد، في محطة قطار كبرى، أو ما يبدو أنها كذلك. وتتساءل مريم "عما يفعله هذا التعس في هذه المدينة، كيف يكونان في مكان واحد فجأة، ثم ما الذي جاء به إلى هنا؟ هل حصل عامر حقاً على الإقامة أخيراً؟ هل حصل حقاً على جواز سفر؟ لعله أقدم على حماقة وهرب، أو تم إبعاده بعد سنوات الرفض؟".

ولن نعرف أن هذا المشهد هو الذي سيحدث في نهاية متن الرواية، أي حين تُطرد مريم من عملها، ويُرفض طلب لجوء عامر، إلا بعد أن نُتِم الجولة في المتاهة، فنعرف طبيعة حياة عامر في معسكر اللاجئين، ومشاجراته، وعلاقاته العاطفية مع مريم وأخرى شقراء من مواطني دولة اللجوء تُدعى "تينا"، ونلم بطرف من ذاكرته الممسوحة ورغبته في "نسيان كل الرؤى" من دون أن نعرف السبب، وبشيء من هواجس مريم وازدرائها للاجئين الذين هم جبناء مثله "لا يملكون غير الكلام، يُخفون ضعفهم هنا، ويتحامون بأوراق لجوئهم، وسطوة مانحيه" ومن دون أن نعرف السبب أيضاً. وهناك أشياء أخرى لا سبب لها حقيقة في ما يظهر من يوميات وتجارب هاتين الشخصيتين.

لجأت الكاتبة إلى القطع والإلصاق كما في مَنْتَجة الأفلام

فالراوية لا تقدّم لنا البواعث الكافية وراء ظن مريم "أنها ورثت عن أمها تلك الرغبة في الوصول إلى حافة الأشياء" أو كراهيتها للاجئين؛ "كم أكرههم، أكره نفاقهم، ادعاءاتهم، يساريتهم المزعومة.. وازدواجيتهم التي حملوها معهم من بلادهم، يغلفونها بتعاليهم الفارغ، باحتمائهم بكلمة ثقافة..".

وحين يقول عامر: "اسمعي يا مريم أنا مثلك وليس مثلك، جسد ميت، متهالك.. لا يزال يلعب الموج في رأسي ويتلاطم في أذني.. لا أريد غير أن أنسى، أرجوك". لا نتبيّن الدوافع الكامنة وراء هذا القول. ومثل هذه البوح الفكري كثير في هذا المدخل أو ذاك من مداخل المتاهة، وعلى لسانها ولسانه. وحتى حين تقترب ما يمكن أن نعدّها نهاية الدوران في المتاهة، يترك عامر عن عمد "مريم وينقطع عن تينا.. لأنه لا يحتمل قوة الأولى ولا ضعف الثانية (التي لا نسمع صوتها)، ويفر إلى الطبيعة "ويركض بحثاً عن كهف، عن رائحة أرض، وأعشاب وحشائش وطين" وتعثر عليه الشرطة في غابة، لا تقف وراء كل هذا بواعث مقنعة كفاية.

كل هذا بالطبع يربك بناء الرواية، لا يكسبه قوة "الهامش" الذي يليه في ما بعد، لأن هذا الأخير يأتي ليلقي الضوء على هاتين الشخصيتين، بسرد يكاد يكون تاريخاً مأساوياً هو تاريخ الحركة الوطنية العراقية، وخاصة تاريخ جناحها اليساري، فتقدّم لنا الراوية أبوي مريم وعامر في الوطن. فالأولى وُلدت على أرض زنزانة لأن أمها وأباها كانا مسجونين سياسيين، افترقا بعد خروجهما من السجن، وكان اسمها في الأصل "وفاء" تخلّت عنه بعد اللجوء إلى الدولة الأوروبية واتخذت اسم مريم، والثاني كان يتيماً تبنّته امرأة خاله بعد القبض على والديه وإعدامهما، وأيضاً بسبب نشاطهما السياسي. وأطلقا عليه اسم "هاني"، وبعد الانتفاضة العراقية الشعبية التي أعقبت غزو الكويت وشارك فيها، عمل "خاله" على سفره، وليطلب اللجوء أيضاً، حيث سيلتقي بمريم.

هذا الذي تسميه الراوية "الهامش" هو "المتن" في الحقيقة، فهو الذي يفسّر غوامض المتاهة الصغيرة التي لم نسمع فيها بوضوح سوى صوتين، وتعدّد مداخلها المتوزعة في كل اتجاه، لأننا، إذا شئنا التسامح مع ضعف الدوافع الكافية لبطليْ المنفى الذي أشرنا إليه، نجد أنها حاولت، بسرديات "الهامش"، مد الجدالات والخلافات والأشواق والمعاناة في بلد اللجوء بدوافع مقنعة. ولكن هل يمكن احتساب الحياة المأساوية التي عاشها أبطال "الهامش"، الآباء والأمهات، دوافع كافية لما كان يفكّر ويشعر به عامر، وهو يرى نفسه "قشة ينقلها الماء في سواقٍ تتفرّع وتتفرّع، تغرقه، ويطفو.."، أو مريم التي ترى نفسها في بلد اللجوء "شجرة هرمة لا تملك الآن إلا وقوفها".

فهذان الصوتان حين التقيا في بلد اللجوء كانا شابين صغيرين، أي لم يعيشا هذه التجارب المأساوية، الممتدة حسب الراوية منذ القضاء على النظام الملكي في العراق، ومروراً بانقلاب شباط/ فبراير 1963، فالحرب في كردستان العراق، وصولاً إلى الحرب العراقية - الإيرانية. فكيف أثقلهما ما أثقلهما في عالم المتاهة؟ هذا سؤال يظل معلقاً إلا إذا عكسنا الآية فأطلقنا على متاهة اللجوء في الغرب اسم "الهامش"، وسرد تاريخ العراقيين المأساوي بمختلف أحزابهم، أي الآباء والأمهات، الذي يحتل الجزء الثاني من الرواية اسم "المتن".




تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.