خلف الجدران .. حرب الإشاعات تغرق الإنترنت!


02 Apr
02Apr

خلف الجدران .. حرب الإشاعات تغرق الإنترنت!

كوليت بهنا

سيسجل التاريخ أن أكبر تفاعل افتراضي حدث منذ بدء استعمال البشرية لوسائل تواصل العالم الافتراضي، يبلغ ذروته في مثل هذه الأوقات الحرجة والاستثنائية، مع الاستمرار المضطرد لانتشار جائحة كورونا في دول العالم.

تفاعلٌ، يبدو في أحد جوانبه المضيئة، جادا وضروريا، خلاقا ومبتكرا للحلول، نبيلا ومسؤولا في تعاطيه مع الأزمة. أما في جانبه الهزلي الذي شهد مبالغة وتطرفا في أيامه الأولى، ترافق بالاستخفاف وعدم الجدية في التعاطي مع حقيقة تصديق وجود هذا الفيروس، وحقيقة انتشاره في بعض الدول، العربية منها بشكل خاص، لوحظ تراجعه مؤخرا مع بدء الإعلان الرسمي عن تسجيل إصابات، وحدوث وفيات، وسطوة الحقيقة القاسية، التي أوجبت فرض حظر التجوال الليلي أو التام، والحجر المنزلي الإلزامي في العديد من هذه الدول، مما بدّل نسبيا في وجهة الموضوع التفاعلي، بحيث  تراجع المزاح والسخرية من الفيروس بحد ذاته، واتجه إلى التندر والتفكّه من الحالة العامة للحجر المنزلي وتداعياتها اللامتناهية.

في محاولة سبر هذا التفاعل الاجتماعي المستجد للحجر المنزلي، لوحظ بوضوح هيمنة لغة التعاطف والتضامن مع الأمهات، اللواتي اضطررن تحت وطأة الظرف القاسي إلى تحمل أطفالهن في البيت، أو التعاطف ومواساة الزوجات الصابرات والمنكوبات، اللواتي سيتحملن وجود أزواجهن وحشريتهم طوال فترة هذا الحجر، إضافة إلى التندر على لسان الأطفال الذين لا يستوعبون أسباب بقاء آبائهم في المنزل طوال الوقت، بل ويستهجنونه في بعض الأحيان.

تبادل المنشورات الذكورية سيترك أثره العميق في اللاوعي الجمعي

فيما طغت المنشورات الذكورية التي تتحدث بمزاح مبطّن، عن اكتشافات مفاجئة لبعض تفاصيل جمال أو قبح زوجاتهم لم يلحظنها مسبقا، أو تشرح مفارقات ومواقف منزلية محرجة، تفضي جميعها، إلى أهمية الحشد الذكوري الكوني، ومواساة الرجال الذين اضطروا للبقاء في البيت رغما عنهم، حتى أن بعض المنشورات طالبت مناشدة الشرع لتفهم أحوال الرجال النفسية، والاستئذان عبر فتاوى طارئة، للسماح للزوج المتأزم لرمي يمين الطلاق على الزوجة عشرات المرات في اليوم، دون أن تطلق، وشبّه بعضهم أحوال الرجال الذين اضطروا إلى المشاركة ببعض الأعمال المنزلية قسرا، بأنهم كادوا يتحولون إلى أشباه نساء، حتى أن أحدهم كتب إنه قد يحبل بطفل عما قريب.

حرب الإشاعات تغرق الإنترنت!

لا يعادل سرعة انتشار فيروس كورونا حول العالم، سوى سرعة انتشار الإشاعات والأخبار المزيف عنه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي بات بعضها يعج بالقص واللصق والتركيب والاستعانة بأرشيفات الفيديو والتصريحات القديمة وربطها بصورة تبدو "محكمة" لخلق سياق راهن يسهل تصديقه.

في هذا الحجر المنزلي العالمي، الذي قابلته الأغلبية بمثابة قصاص أو عقاب جماعي، وهو صعب دون أدنى شك، يبدو مثل هذا التفاعل شديد الضرر على المدى الطويل، حتى وإن أريد به التندر والترفيه عبر المزاح والضحك، ويكرس بشكل غير مباشر، لأفكار نمطية خاطئة تطال مفهوم الأسرة والتعايش والتضامن، ويرسخ مفاهيما بالية لإرث اجتماعي تقليدي مغالط لكنه متداول، يَفترض أن وجود الأزواج داخل المنزل ظلٌ ثقيل على الزوجات وفائض عن الحاجة، وأن الرجل خلق بالفطرة ليبقى طليقا وسارحا، يكره الجلوس في منزله أو المشاركة بأعماله وأعبائه، وأن الأطفال كائنات مزعجة، يجب حبسهم في مدارسهم باستمرار، أو رميهم للعب في الشوارع معظم الأوقات، إضافة إلى تعزيز صورة "بابا البعبع" في أذهان الأطفال، كرجل ينحصر دوره في العمل وإحضار المال، لكن غير المرغوب ببقائه طويلا في المنزل، بسبب محاصرته ومراقبته الصارمة للأولاد وحسن انضباط الأمور العائلية، ومراقبة "الماما" الأكثر لينا وتساهلا.

كما أن تبادل المنشورات الذكورية المشار إليها عن مظلومية الرجال المحبوسين في بيوتهم والتفاعل معها، سيترك أثره العميق في اللاوعي الجمعي، وخاصة عند الجيل الشاب، لأنها تكرس النزعة الذكورية في التعاطي مع المرأة والأسرة، وتزيد ـ بتظارفها المفتعل ـ تكريس دونية النساء، وتنميط دورهن في الحياة بحصره بين أعمال المنزل ورعاية الأطفال، وكأنهن خادمات للجميع، لا يشعرن بضيق تنفس، ولا يرغبن بالخروج مثل الرجال، تتمحور حياتهن بانتظار عودة الأطفال والزوج لساعات قليلة لا أكثر، واستجداء رضى الزوج الدائم عن حسن سير وتدبر الأمور.

هذا الفيروس الخطير شديد الذكاء ويطور ذاته كل حين، فيما العديد من البشرية لا يتطورون، بل يتراجعون

ضاقت أنفاس البشرية في ظل هذه المحنة الأصعب التي أوجبت الحجر، وتحتاج إلى أي متنفس يخفف وطأته الثقيلة، والذي ستزداد تداعياته الاجتماعية الخطيرة، وترتفع مؤشراته الخاصة بالعنف المنزلي جراء هذا الاحتكاك المباشر والمتواصل خلف الجدران، لكنه بكل سلبياته، هو أيضا وقت نادر وثمين، لتعزيز المفاهيم الإيجابية والأفكار البنّاءة للأسرة وأهمية التشاركية، وخوض تجارب وحوارات عائلية جديدة لم يكن هناك متسع من الوقت للخوض فيها سابقا، وأهمية شحن جهود النخبة والطبقة المتعلمة والمثقفة في مثل هذه الأوقات الصعبة، والتحلي بالمسؤولية العالية، للانتباه إلى خطورة المرحلة، وخطورة هذه الأفكار الهدامة والسلبية التي تتسرب في التفاعل الاجتماعي، وتعزز الأدوار النمطية وتمتهن النساء بشكل خاص، حتى لو غلفت مثل هذه الأفكار بالمزاح والقهقهات وأوراق الشوكولاتة البراقة.

هي فرصة وجودية لتأمل ما يحدث، وستنتهي هذه الفرصة آجلا أم عاجلا، وإلى حينه، ربما علينا أن نلاحظ بقوة، أن هذا الفيروس الخطير شديد الذكاء ويطور ذاته كل حين، فيما العديد من البشرية لا يتطورون، بل يتراجعون، أو يثبتون في جمودهم المستعصي.


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.