قصائد التوعية والحجر والحب ومأزق المناسبات.. كيف تسللت كورونا إلى دفاتر الشعراء؟


05 Apr
05Apr

قصائد التوعية والحجر والحب ومأزق المناسبات.. كيف تسللت كورونا إلى دفاتر الشعراء؟

عماد محمد

طريقتان وقصيدة

ليس الشاعر مجرد فرد في المجتمع يحس بمشكلاته وقضاياه، بل المفترض فيه أن يكون أرهف حسا ممن سواه، وهو بعد ذلك صاحب قدرة خاصة على التعبير تميزه عن غيره، وهذا ما ذهب إليه الشاعر والطبيب المصري أحمد زكي أبو شادي، مؤسس مدرسة أبولو للشعر الرومانسي، في كتابه "الشاعر النموذجي" إذ عرّف الشاعرية بقوله "هي القدرة على الإحساس بالحياة والنفاذ إلى أعماقها عن طريق المنطق والعقل، وصياغة هذا الإحساس".

لكن بأي طريقة يعبر الشاعر عن مثل هذا الوباء؟ في كتابه الذي يحمل عنوان "الشعر والعقل.. منهج للفهم"، يجيب الأديب السوري حسن عبد الرازق منصور بأن الإنسان يختار طريقة التعبير عن نفسه أو عن فكرته حسب ما تمليه عليه هذه الفكرة، "وإجمالا هناك طريقتان للتعبير، ومهما حاول الشعراء ابتكار طرق بديلة، فإنهم لا يخرجون عن نطاق هاتين الطريقتين"، مسميا إياهما "الطريقة المباشرة في التعبير، والطريقة غير المباشرة". وهذا ما يظهر في النصوص التي اتخذت كورونا موضوعًا لها، بين قصائد تناولت الموضوع بشكل مباشر، وأخرى تناولت الظواهر الناتجة عن المرض والتحولات وتعاملت مع الموضوع بشكل يخلو من المباشرة. 

ويذهب نقاد الأدب إلى أن الغرض الشعري من محددات طريقة الكتابة، فالشعر الذي يقصد به التوعية مثلًا لا بد له من الوضوح والمباشرة. وقد كتبت في أغلب الأقطار العربية قصائد للتوعية والنصح، وكانت في غالبها باللغة المحكية، وقد تجيء فصيحة مثل قصيدة الشاعر التونسي عبد العزيز الهمامي:

فَلْتدخلْ بيتَكَ لَوْ تسْمحْ

العالَم مَوْبُوءٌ

وهَـوَاءُ الشّارِعِ يَـجْـرَحْ

المَنْزِلُ وَرْدتـك الأُولَى

وَمَكَانُـكَ فِي الغُرْفَةِ أَوْضَحْ

ولا يرى منصور في "الشعر والعقل" التفاضل بنوع الطريقة: ولو أردنا قياس جودة الشعر أو قيمته، فلا يصح أن نتخذ من المباشرة أو غير المباشرة مقياسا فاصلا بين الجودة والرداءة. لكنه يعوّل على الشاعرية فقط.

مأزق شعر المناسبات

التجارب الذاتية للشعراء تكون صبغتها واضحة، والتمايز فيها بين الشعراء أسهل، لكن أن تكتب عن وباء اجتاح المعمورة يجعلك تشترك فيما تحس مع كثيرين، ففي الأمر تعقيد، ويرى الناقد أسامة تاج السر أستاذ الأدب والنقد بجامعة الخرطوم في إفادته للجزيرة نت أن الشعر ضربان "ضرب ذاتيّ يعيشه الشاعر بعاطفته وفكره معًا، فيكون التعبير حينها حاملا بصمة الشاعر وتفرده، وحمضه الشعر، وضرب آخر تمليه مناسبة خاصة، ويكون التشابه فيه بين الشعراء كبيرًا"، ويواصل تاج السر إفادته "يستطيع الشاعر الكبير أن يختط دربه رغم هذا التشابه ويكتب القصيدة التي لا تنتسب إلا إليه".

وبحسب رأي شعراء، فإن التشابه ليس الفخ الوحيد في الكتابة لموضوع مرتبط بوقت معين ككورونا؛ فهناك فخ الموضوع الذي قد لا يكون صالحا فيما يرون بعد تقادم السنوات، فلا تتجاوز القصيدة أن تكون توثيقا لفترة معينة، لكن تاج السر يرد على ذلك بأن "بعض الشعراء يستطيع أن يجعل قصيدة المناسبة صالحة لأزمنة أخرى، وأكثر شعر المتنبي من هذا الضرب، وهو ما كتب له الخلود والسيرورة إلى يوم الناس هذا، لأنه لم يقصر القصيدة على المناسبة وحدها". ويذهب تاج السر إلى أن هذا مما يفرق بين الشعراء.

صلوا في رحالكم

إغلاق دور العبادة وعدم القدرة على إجابة النداء المنبعث من المساجد، شكَّل حالة غريبة وجديدة على المسلمين أسالت دموع الكثيرين وأبكتهم. وكان المشهد الأصعب خلو صحن الكعبة من طائف أو مصل. لكن الشعراء يرون الأمور بقلوبهم، مما جَعَل الشاعر العراقي عمر عناز يرى غير ما يرى الناس، فيقول:

خلا من زائريهِ البيتُ، قالوا

فقلتُ: أراهُ مُزدَحِمَ الفِناءِ

فسيحا، غادَرَتهُ الناسُ كيما..

تَطوفُ به ملائكةُ السّماءِ

أستاذ الأدب العربي بجامعة الخرطوم الدكتور الأصم بشير لا يستغرب في حديثه كمَّ القصائد التي تفاعلت مع كورونا ومع صلاة الرحال بوجه أخص، قائلًا "لا ينفكُّ الشعر موئلا يهرع إليه الناس في السراء والضراء على حد سواء، ومن هنا لا نتوقع أن حدثًا شغل العالم بأسره أن يغيب الشعر عن مسرحه"، ويضيف في حديثه للجزيرة نت "الملمح العاطفي كان الأبرز خاصة فيما يتعلق بإغلاق دور العبادة ولا سيما الكعبة المشرفة والحرم النبوي"، واستشهد الأصم ببعض القصائد منها قصيدة للشاعر السوداني خالد فتح الرحمن:

خلوتَ!! لا والذي أسدى لك الألقا.. يا خير بيت سرى إيماضه ورقى

حاروا فظنوك ساءلت المطاف متى يَؤوبُ حشد القلوب الناضحات تقى

أحاديث الحجر والحظر

إنْ أغلقوا كلَّ بابٍ، وأوصدوه عليكْ

وصرتَ لا شيء إلّا اللاشيء بين يديكْ

فربّما، كلُّ هذا لكي تعودَ إليكْ..    

بالحكمة والفلسفة، يحاول الشاعر السوري عبد القادر الحصني الدعوة للبحث عن الذات في هذه العزلة الإجبارية؛ فالتأمل والتدبر مرتبطان بالانقطاع والعزلة، ويبرر أبو الطيب مولود السريري السوسي ذلك في أحد كتابه بقوله: "ابتعاد المرء عما يشغله ويلهيه من أمور عن التركيز الفكري أمر مُفض إلى صفاء النظر، ونقاء مرآة الفكر على صورة قد يمكن بها أو معها رؤية الأشياء بجلاء، وبهذا تحصل الحركة الفكرية"، وكثيرًا ما اختار مفكرون وعلماء الانقطاع عن الناس واعتزالهم لفترات. لكن الحجر والعزلة، وإن كان تدبيرًا طبيًا قصد به الحد من انتشار الفيروس، فإنه غدا ملمحًا مجتمعيا وتحولا ثقافيا كبيرًا خاصة في المدن المعروفة بالحياة والعواصم التي لا تنام، وفي ذلك كتب المصري علاء جانب:

"سكوتٌ.. سوى حَكْي المصابيح سُهدَها..‬

‫شوارعنا الثكلى بـ"حظر التجوّلِ"‬

‫مدائن أشباح.. ترى الصمت سائدا‬

‫عليها وأنفاس المخافات تصطلي

وإن اختلفت زوايا نظر الشعراء للقضايا، فإنهم جميعًا يبحثون عن شيء من العزلة لكتابة نصوص جيدة، وقديمًا كتب ابن قتيبة في الشعر والشعراء: "وللشعر أوقات يُسرع فيها أتِيُّه، ويُسْمِح فيها أبِيُّه.. ومنها الخلوة في الحبس والمسير".

الموت والحب بحثا عن الإنسان

توقف الكثيرون عند هذه الجائحة معولين عليها في رد الإنسان إلى إنسانيته بعد أن أخذته الحياة الحديثة في لهاث وحركة تخلو من المشاعر، وهذا مما عالجه الشاعر السوداني بحر الدين عبد الله في قصيدة له يقول في مطلعها:

 هذا الإنسان الآليُّ

سيقتل حُلْمَ الفيروساتِ

ويهزمُ بالحُبِّ

سُلالاتِ الكوفيدْ

ويكمل بحر الدين قصيدته قائلا: 

هذا الإنسان

الآليُّ

سيكفر بالكمامات

ويُؤمنُ

بالنغمِ النورانيِّ

وأمصال التوحيدْ

هذا

الإنسان الآليُّ

سيشربُ من كفِّ الله

وحُبِّ اللهِ

نشيدا نورانيّاً

بعد نشيدْ

وهذا ما دفع الناقد أسامة تاج السر للقول في إفادته للجزيرة نت "الأرض كادت تفتقد الإنسان رغم تزايد أعداد أهاليها من البشر، ربما تعيد المحنة التي يمر بها العالم التعاطف الإنساني وتوقف الركض الآلي لو لأمد بسيط، وهذا مما سيتوقف عنده الشعراء بلا شك"، ويأمل بحر الدين في الخلاص من "الحياة الآلية" بالحب والتعاطف الإنساني الذي يظهر في ذات القصيدة فيناجي روما وصباياها.

وتعتمل أسئلة الحب في جوف الشعراء وقصائدهم بين الهم العام والحب في زمن كورونا الذي صوره المغربي نوفل السعيدي قائلا:

مرضَ الناسُ بالوباء مراراً    ووبائي شوقٌ وسُهدٌ ونارُ

عالقا فوق حيرتي كيف أمضي؟  للتي بينها وبيني سِتارُ

ويختتم الأصم إفادته معلقًا "ما يحسبه المتلقي نظرة ذاتية تخص الشعر هي في الأصل نتيجة صياغات جماعية متعددة، وربما كانت في أوقات متفرقة". وإلى أن تتجاوز البشرية هذا الوباء سيظل "الكوفيد" متنقلًا بين دواوين الشعراء وقوافيهم بما هو ديدن الشعر من تناسل للأفكار وتأمل في أشياء قد لا تستوقف غير المكتوين بناره.

المصدر : الجزيرة


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.