"لم يصلّ عليهم أحد".. أثر الرواية العميق


02 Mar
02Mar

"لم يصلّ عليهم أحد".. أثر الرواية العميق

كوليت بهنا

في الحديث عن الرواية، يتوقف البعض عند رشاقة اللغة، أو براعة التقاط قصة مختلفة وذكاء حبكتها، أو يبحث عن متعة السرد وتجلياته. في روايته الأخيرة "لم يصلّ عليهم أحد"، يجمع الروائي السوري خالد خليفة كل ما تقدم من عناصر رئيسة بمهارة وانسيابية، وبدون تكلف، ويضيف عليها أهم عناصر جوهر الإبداع، وهو الأثر العميق.

تغطي الرواية فترة زمنية تصل إلى أكثر من سبعين عاما، تمتد بين نهايات القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، مفسحة للزمن في المجال الروائي، وحسب ما يقتضيه الحدث، حرية التحرك نحو الأمام أو الخلف، تُمسح من خلال مرونته هذه، قرى وبلدات ومدن جغرافيا الشمال السوري من إسكندرون غربا، حتى مدينة ماردين في الشمال الشرقي، متوقفا مطولا بمدينة حلب، كحاضرة أبدية وأحد أبرز أبطال الرواية، وعابرا في محطات سريعة في البادية وبيروت وطرابلس ومعلولا وحوران في الجنوب السوري، وصولا إلى محطات مفصلية في كل من اسطنبول والبندقية الإيطالية.


يحيط خليفة بمعظم نساء روايته ويمنحهن اهتماما ملفتا، يرسم شخصياتهن بأمانة تاريخية

داخل هذه الشبكة من تقاطع الزمان والمكان، عاشت مئات الآلاف من الحيوات وماتت، أو قتلت، بينها أبطال الرواية وأسلافهم وأحفادهم، لن يترك الروائي للظلم البشري ومنطق القوي المنتصر، ولا لجبروت الطبيعة وكوارثها المتكررة أو غبارها، أن يقبضوا إلى الأبد على لعبة التاريخ وطي هذه الحيوات في عالم النسيان، وسيقترب برقة وحذر، وينقب عن آثارهم خشية تهشمها وتلاشيها، فينبش في طريقه هيكل ديناصور، وكنيسة أثرية، وجماجم وعظام ضحايا قضوا نتيجة لانتماءاتهم المختلفة، في منطقة تعتبر واحدة من أكثر مناطق العالم قدما وتنوعا وغنىً في تقاطعاتها الدينية والإثنية والعرقية والثقافية.

ضحايا لم يصلّ عليهم أحد، سيعاد الاعتبار إليهم وإنصافهم، عبر دفنهم إلى جانب مقبرة العشاق، والأبناء الأحباء، وغرقى الطوفان الذين ضاعت ملامحهم وهوياتهم الدينية، ويصلى عليهم صلاة "روائية"، يتورط القارئ فيها وجدانيا ويشاركها، راجيا السلام والراحة الأبدية لكل مظلوم أو بائس، والكثير من اللعنات على القتلة الكثر.

هويات متقاطعة، مشتهاة في كل زمان ومكان، ستشكل الثوب الخام النقي الذي سيرتديه فضاء الرواية ورؤيتها، يجسدها بطليه الرئيسين، حنا كريكورس، الطفل المسيحي ابن الثمانية أعوام، الناجي الوحيد من مجزرة ماردين، والذي ستربيه عائلة البيازيدي المسلمة مع ابنهم زكريا، وابنتهم سعاد.

سيعيش الثلاثة معا حياة ملهِمة في ثرائها وتفاصيلها، تغنيها المصاهرات العائلية، وقصص العشق التي لا تنتهي، والصداقات الأصيلة مع شخصيات كردية ويهودية وأرمنية، يتيح السرد لكل منها قصته الخاصة، المشبعة بثيمات الحب والكراهية والولادة والموت، وينحاز بشكل جلي ونبيل إلى البعد الأخلاقي المفترض للشخصيات المؤثرة، كما في حكاية عشق حنا وسعاد، والرباط الأبدي بين حنا وزكريا من جهة، وصداقتهما مع وليم وعازار من جهة أخرى، حيث لا مكان هنا للغدر أو تجاوز الخطوط العائلية المقدسة الحمراء، والشخصيات ذات القلوب السوداء، واللئيمة والحاقدة والمتشددة والظالمة ـ وإن حضرت ـ غير مرحب بها في هذه الملحمة الموشحة بالحب وتجلياته.

يفتتح خليفة روايته سنة 1907 بطوفان النهر في حوش حنا، الذي سيبتلع كل سكان القرية، وستلعب الشخصيات الناجية دور الشهود والضحايا الأحياء على هذه الكارثة التي ستشكل مفصلا تاريخيا في تحولاتهم جميعا.

كل ما سبق الطوفان ليس كما بعده، ورحلة القداسة التي سيتورط فيها حنا، ليست أكثر من خديعة روائية، وفي عمق النهر الروائي الكامن، سيكرم السرد بطليه الأثيرين، زكريا بصفته حصانا يعيش حياة جامحة ويهرم كحصان أصيل، فيما سيرة حنا، كمثل نهر الحياة بتجلياته، "النهر الهادئ الذي كان منظره فاتنا وبريئا"، ورأى حنا "حقيقته يجري دون مبالاة منذ آلاف السنين، لكنه قبل يومين ابتلع قرية كاملة". حنا الذي غيّر حياة الجميع من حوله، وانحاز في النهاية بفتنة ووفاء للغرق في مفهوم الحرية العميق، كما غرق سابقا في ذاته، يبحث عن معاني الوجود.

الرواية في توغلها الزمني، متكئة براحة مطلقة وانسجام سردي على حرية المخيلة، وعلى بعض "المصنفات السبعة التي كتبها حنا بين عامي 1918 ـ 1951، ووجدها خالد في منزل عائلته في العنابية، ضمن أوراق كثيرة كتبها جنيد خليفة أحد أخوة جده، أعاد كتابتها بأسلوبه، كما أعاد كتابة رواية الحب المستحيل بتصرف" كما يشير، تفتح ذاكرة الدمار الذي تسببه الزلزال الكبير في حلب، ومجاعة "السفر برلك" وأهوالها، والطاعون، ومجازر السريان والأرمن ومقابر جماعية لمجهولين.

كما تعبر برشاقة سردية أمام أحداث تاريخية هامة، مثل بداية نشوء الحركات الإسلامية المتشددة، وسقوط السلطنة العثمانية، وكفاح الأكراد

 من أجل دولة مستقلة، واتفاقية سايكس بيكو والانتداب الفرنسي والحربين العالميتين، وإعلان دولة إسرائيل، وزيارة الرئيس شكري القوتلي التاريخية لمدينة حلب.

الرواية في توغلها الزمني، متكئة براحة مطلقة وانسجام سردي على حرية المخيلة

أحداث مفصلية تسير في محاذاتها حياة اجتماعية وثقافية حافلة، تلقي الضوء على بدايات تحرر المرأة السورية، ونشوء الصحف والمطابع، ودخول السيارة والهاتف، وفن التصوير والسينما، وحركات الانفتاح التي تجسدت بالحفلات الموسيقية، وأول عرض أزياء بمستوى عالمي حدث في حلب، وقوبل بحرقه من المتشددين.

يحيط خليفة بمعظم نساء روايته ويمنحهن اهتماما ملفتا، يرسم شخصياتهن بأمانة تاريخية، صلبات ورقيقات، شديدات المراس، ضعيفات لكن مؤثرات، فاضلات وغير فاضلات، يطفحن بالأنوثة والجمال والحرية، والمقدرة على تغيير مصائر كل من حولهن، بالعلم أو الايمان تارة، والجمال والفساتين والمناديل ورائحة العطور في معظم الأوقات.

"لم يصل عليهم أحد"، الصادرة نهاية عام 2019 عن دار نوفل في بيروت، ورشحت ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية 2020، ستوافق في نهايتها، على ما قالته سعاد من جملة تجسد خلاصة الحكمة بأن "كل ما حدث كان يجب أن يحدث كما حدث"، وستكتشف بأن طوفان الرواية الكبير امتد وغمرك بأثره العميق والنافذ في النفس.

الحرة

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.