من تغيّر نحن أم خيرُ جليسٍ أم الزمان؟


28 Oct
28Oct

من تغيّر نحن أم خيرُ جليسٍ أم الزمان؟

كوليت بهنا

أرخت سنوات الحرب بظلالها الثقيلة على حياة الفرد السوري في جميع مستوياتها، وما عجزت نيران السلاح عن التهامه مما تبقى من الحصانة الذاتية، يقضي عليه اليوم تغول الأزمات الاقتصادية والمعيشية المتواصلة، التي تشي بأوقات قادمة يتوقع أن تكون أكثر ضراوة، دون أن تلوح في الأفق القريب أية انفراجات إنقاذية، أو نهايات سعيدة.

شظايا الخراب العام أصابت الجميع دون استثناء، ولم يسلم الثري والمقتدر شأنه شأن أصحاب الدخل المحدود، باختلاف المهن والمناصب والأعمال والاهتمامات، من ندبة تركت أثرا ما، أجبرت أصحابها إلى اللجوء إلى الخيارات المتاحة المتوفرة، والتي انحصرت بين استبدال مهنة بأخرى أكثر يسرا ومردودا، أو الاستمرار بالمهنة ذاتها مع القبول بالشروط التعجيزية أو الدنيا لمردودها، أو الرحيل.

أكثر من طالتهم هذه التأثيرات الحادة، هم الفئة المنتمية إلى عالم الثقافة، من منتجين وصانعين للثقافة أو متلقين. وليس بمستغرب أن تطال مثل هذه التداعيات أصحاب الشأن أو الاهتمام الثقافي في أوقات الحروب، في كل زمان ومكان، حيث يصير الحديث عن الهم الثقافي ترفا أمام وطأة الهموم المعيشية وأولويات الحياة.

حصل تجار الورق والكتب المستعملة في السنوات الأخيرة على ثروة حقيقية من الكتب النادرة، لم يكترث لأهميتها الفوج الأول من الذين "عفشوا" البيوت المدمرة أو المهجورة من أصحابها

رغم ذلك، يمكن الحديث عن التراجع الثقافي العام، بأنه مقتلة وجدانية للسوريين، أطفأ شعلة من أرواحهم التي كانت تواقة على الدوام لتلقف كل تحديث ثقافي والشغف بالبحث عنه، وبشكل خاص في الأرياف والقرى والنواحي البعيدة، التي عرف عن أبنائها شغفهم بالقراءة ومواكبة أي حدث كان ينظم في أحد المراكز الثقافية المنتشرة في كل الأراضي السورية دوريا، أو يزورهم كضيف، كاتب أو فنان، يستضاف من أحد وجهائهم الثقافيين، وكانت لديهم المقدرة دوما على تحويل مثل هذه الزيارات والنشاطات إلى احتفاليات تشبه المهرجانات الكبيرة السعيدة.

في ظل هذه الظروف المتعسرة، لم يعد مفاجئا أن تعلن كل حين واحدة من دور النشر المتبقية الإغلاق إلى أجل غير مسمى، لأسباب اقتصادية تتعلق بارتفاع سعر الورق والحبر وأجور المطابع وانعدام المقدرة الشرائية ومنافسة الكتاب الإلكتروني، إضافة إلى تشديد الرقابة على المنشورات، لكن السبب المخفي والمثير للأسى، يكمن في تراجع الاهتمام أو ما كان يعرف بالشغف.

قلة من أصحاب دور النشر الخاصة ممن ما زالوا يقاومون لإيمانهم بالجدوى الثقافية، ويغامرون من حين إلى آخر بإصدار كتاب جديد، صمدوا لسنوات بالتعويل على ما تعوضه نسبيا مشاركاتهم الدورية في معارض الكتاب التي تقام هنا أو هناك، لتحل جائحة كورونا هذا العام وتفرض آثار كارثيتها على كل العالم، وتقضي على ما تبقى من فتات أمل.

لأكثر من أربعين عاما، لعبت المطبوعات الثقافية الكويتية، الشهرية والدورية، زهيدة الثمن والهامة للغاية، دور الرافد والداعم الثقافي الصديق والحنون للشعب السوري، الذي تفاخر معظم أفراده، في المدن والأرياف، بما اقتنوه من هذه السلاسل ثقافية التي كانوا يحجزون نسخا منها قبل وصولها بأسابيع، والتي توقفت بدورها مطلع 2012، رغم توفر معظمها إلكترونيا، لكن متعة اقتناء نسخها الورقية الحديثة اختفت من المكتبة المنزلية السورية.

بدورها، ما زالت المؤسسات الثقافية الحكومية، وهي وزارة الثقافة والهيئة العامة للكتاب واتحاد الكتّاب العرب، تصدر سنويا عددا من المطبوعات الثقافية وبأسعار مدعومة، لكنها شهدت شأنها شأن الآخرين، تراجعا ملفتا في منافذ البيع، رافقه تراجع عام بالاهتمام بالشأن الثقافي لم يطل النخبة الثقافية كليا، لكنه طال الشريحة الشابة المعول عليها، والتي اتجهت إلى خيارات الفضاء الإلكتروني، أو عدم الاكتراث بهذا المنتج الثقافي وأشباهه.

عدد كبير من أصحاب المكتبات المنزلية، ممن حرصوا لعشرات السنين على اقتناء أهم المطبوعات وتصفيفها والتفاخر بمحتوياتها الثمينة، أجبر معظمهم على بيعها لتجار الورق والكتب المستعملة من أجل حفنة من الليرات تعينهم على العيش الصعب.

تجارة الكتب المستعملة، مهنة غير جديدة في السوق السورية، لكنها تشهد مؤخرا رواجا ملفتا، لا تعود أسبابه بالتأكيد إلى ازدياد عدد القراء أو ارتفاع منسوب الشغف الثقافي، بل لإدراك أصحاب هذه المهنة أن بعض الكتب والمجلدات والسلاسل باتت نادرة الوجود، أو لن تعاد طباعتها لتكلفتها الباهظة، أو لاحتمالية توقف الكتاب الورقي في المستقبل القريب.

لهذه الأسباب، يشترون مكتبة كاملة مؤلفة من مئات أو آلاف الكتب من أجل كتابين أو ثلاثة تتضمنها هذه المكتبة، ويقومون عبر التراسل بعرض عناوينها واسم مؤلفها ودار النشر وسنة إصدارها للمهتمين في الخارج، من أفراد أو مكتبات عالمية أو متاحف، ويعوضون ببيع كتابين أو ثلاث، بما يشبه ضربات الحظ، ثمن المكتبة بالكامل.

شظايا الخراب العام أصابت الجميع دون استثناء، ولم يسلم الثري والمقتدر شأنه شأن أصحاب الدخل المحدود، باختلاف المهن والمناصب والأعمال والاهتمامات، من ندبة تركت أثرا ما

في الوقت ذاته، حصل تجار الورق والكتب المستعملة في السنوات الأخيرة على ثروة حقيقية من الكتب النادرة، لم يكترث لأهميتها الفوج الأول من الذين "عفشوا" البيوت المدمرة أو المهجورة من أصحابها، سرعان ما تلقفها الفوج الثاني من "المعفّشين"، وباتوا يجادلون المحتاج والمضطر لبيع مكتبته العزيزة بثمن معقول، ويساومونه بأنهم يقتنون الأثمن والأكثر أهمية من كتبه، ومجانا.

من يرغب بتثقيف ذاته حقيقة لن يعدم الوسيلة، حيث تتوفر بدائل قادرة على تعويض النقص وسد الاحتياجات إن وجدت، لكنك في ظل تراجع التعليم والضرر الذي أصاب المشهد الثقافي العام، يمكنك أن تستدل بحدسك على أن موضع الضرر الحقيقي لم يصب الوسيلة تماما، بقدر ما أصاب قلب ذاك الشغف القديم بمفهوم الثقافة والاهتمام بشأنها كأولوية وجودية.

بحزن وعتب يلخص أحد عشاق الثقافة القدماء حكايته الخائبة، وكيف أهدر ماله ونظره وأعصابه مع تلك الأفكار التنويرية العظيمة والوجودية التي حملتها له عوالم كتبه دون أن تجده نفعا، حيث يمضي هذه الأيام معظم ساعات صباحه مع خير جليس له، وهو فنجان قهوته المرة، إن توفر ثمن البنّ، لعله يساعده على ترميم حطام روحه، ويفكر كيف سيتدبر قوت ما تبقى من يومه.



تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.