الجسر وساحة التحرير ..


24 Mar
24Mar

الجسر وساحة التحرير .. لمحات ومشاهد تسجيلية عن العراق وانتفاضة تشرين  

قيس العذاري

يتغلل سحر بغداد ويتسلل الى الحواس بدون الشعور به احيانا ،  كنوع من الاحتفال بالحياة . وفكرت ان بغداد قد تكون دواء لمن بعاني من كابة دائمة ، تجد نفسك دائما في وسط شبه احتفالي ، لو كنت جالسا في مقهى او ماشيا على الطريق ، سيوقفك اكثر من بائع ويوقضك لو كنت سارحا بخيالك وتفكيرك بعيدا عن الاصوات المتناثرة بكل الاتجاهات . تسرقك من وحدتك وتثير انتباهك الى شياء بعيدة عن تفكيرك و ليست من مقتياتك في تلك اللحظة تبعدك عما تفكر فيه مهما كانت اهمية ما تفكر به تلك اللحظة  . 

هناك شيء ما يدفعك دائما الى اغلاق ما قبله لتبدأ بتفحصه او التفكير به او شرائه ولو لم تكن تود ذلك ، كمن يسلم نفسه لما يصادفة في طريقه في اي وقت من النهار . 

اما ساحة التحرير فانها شيء اخر ، لا تشبهها ساحة من الساحات المشهورة شرقا وغربا ، خيم المعتصمين تدور مع قطر دائرة الساحة وتنحرف مرة الى اليمين ومرة الى اليسار كانها خرائط ملونة تنفتح على جميع الجهات ، مرة باتجاه نفق التحرير ومرة باتجاه حديقة الامة ومرة باتجاه شارع السعدون بصفوف شبه منتظمة وعفوية ، ولكنها ترسم لوحة تثير الامل حتى تبدو الساحة باكملها قدت بطريقة النمل المنتظمة ترى الطريق وهي عمياء دون ان تبصره او تميز ابعاده وملامحه . 

جسر الجمهورية من هذه المسافة يبدو كقوس ينحني باتجاه ساحة التحرير والشارع المؤدي الى السعدون ونهاية النفق ، تتهادى مياه دجلة منسابة اسفل قوس الجسر  بهدوء ، يتسلل هدؤه الى حواسك بلين لدرجة الانتشاء ويذهب عنك العطش كأن الناظر اليه يغتسل به دون ان يمسه او يقترب منه اكثر  . 

 ولكنه فقد حنوه ، وارتفعت الكتل الكوكريتية من منتصفه لتسد الطريق وتقسم انحناءته بطريقة تشوه معالمه وتضفي عليه مسحة من التمرد . والحاجز وسطه يحول دون التغيير الذي ينشده الشباب المنتفض ، ويمنعهم من الوصول الى المنطقة الخضراء الموبوءة بالفساد . 

تحدثت مع تجمع شبابي قرب نهاية نفق التحرير المؤي الى شارع السعدون ، يصعب احيانا فهم حماس الشباب رغم معرفة دوافعه ، بدوا  كأنهم  خرجوا توا من الحبس وافاقوا على ان لهم حقوق مغدورة بيد من يفصلهم عنهم حاجز الجسر ، فقد وصل الحماس ببعضهم ان يتخيل ان هذا الحاجز يقف بينهم وبين تحقيق شعاراتهم  

قاطعني وقال : 

هذه هي الحقيقة! 

قلت له : 

عبور الجسر والوصول الى المنطقة الخظراء والمكاتب الحكومية لا يعني ان المطالب ستتحقق و تتحقق فورا. 

ايدني ، ولكنه اضاف : 

لماذايضعون الحواجز؟ 

اذا كنت تعني كل انواع الحواجز وليس الحاجز الاسمنتي القبيح امامنا المشوه لمنظر ساحة التحرير   ودجلة والاستدارة المؤدية الى شارع السعدون :

نعم .

لاح السرور على محياه الفتي وقال : نعم "حواجز من كل نوع" حواجز حقيقية امام بيوتهم ومكاتبهم ومكاتب احزابهم ، حواجز يظنون انها تحميهم من العقاب . مظلات وحواجز "اشكال والوان" ومن كل نوع أصر وهو يضحك .

2

كنت ماخوذا كقاسم بعنفوان الشباب واصرارهم على تحقيق حقوقهم الدستورية ، كانهم استيقظوا للتو بعد اغفاءة طويلة امتدت 17 عاما نهبت خلالها البلاد وتقاسمت الاحزاب الفاسدة اموال واملاك الدولة وثروات البلاد وتركوا الاغلبية الساحقة تحت رحمة الفقر والبطالة والامية والجهل وسوء الخدمات .

وحين طال انتظارهم ولم يحصدوا سوى الوعود ، فانتفضوا ثأرا  لما عانوه وثأرا  لانتظار تحقيق الوعود التي لم تتحقق ، وثأرا  لما عانوه من فقر وبطالة لا يتحملها "ايوب" . كما قال احد الشباب :

الى متى ننتظر .. وماذا ننتظر من نفس الاحزاب التي سرقت الدولة واموال الشعب؟!

تلك نبرات اجبرتهم عليها معاناتهم الطويلة من البطالة والفقر واوقات الفراغ ووضعتهم على حافة اليأس ، واصابهم الهلع من انهم بدون مستقبل او وطن .

 3

رغم برودة الطقس في الليل ، نشعر بالدفء ، الاضوية والنيونات الملونة والخيم والمظلات بمختلف الاحجام والالون المنتشرة بنظام وغير نظام وجدت هكذا ، والحركة الدائبة للشاب ومرحهم احيانا ومزاولتهم لهواياتهم بمجموعات صغير هنا وهناك . كل ذلك يخفي المظاهر التي تعكر ما تزدهي به الساحة ولافتاتها وجدارياتها وشعاراتها الملونة ، واعلامها من كل حجم المنتشرة امام الخيم وخلفها في جميع الاتجاهات تشكل لوحدها لوحة لايمكن ضبط ابعادها وحدودها بحجم الوطن المستباح .

  4

واجمل ما في ساحة التحرير ان الالوان والشعارات والاعلام والمظلات والخيم والارصفة تتجدد يوما بعد يوم وتأخذ اشكالا تحاكي اندفاع وعنفوان الشباب ، كنت واقفا انظر الى نهاية النفق المؤدي الى شارع السعدون ، انظر داخل النفق المتجدد كأنه سلسلة من الوحات التشكيلية المتغيرة والمعبرة والواضحة تعكس كل ما يدور في ساحة التحرير والوثبة والرشيد وساحات الاعتصامات في المدن المنتفضة .

لا احد يشعر بالوحدة هنا ان كنت تفتقد لصديق سرعان ما تجده في الساحة ، او مسعفة سرعان ما تجدها او تأتي اليك او تشعر بالجوع ستجد كل ما طاب ولذ من الطعام المطبوخ او الجاهز ، وبين خطوات قليلة واخرى  توقفك مظلة تدعوك لشرب الشاي او تناول الحلوى .. ولكنني كنت افتقد لـ قاسم منذ ان ترك شقته بساحة الوثبة لم يعد يأتي بانتظام ، كنت افتقده في تلك الليلة ليس لاننا اعتدنا ان نأتي معا ، ولكن لمرحه في اكثر الاوقات عصبية وتوترا وثرثراته الخالية من المعنى احيانا ، وكنت بين حين واخر اسمع بستاته ومقاطع من اشعاره وهتافاته يرددها الشباب في الساحة ، فبدا لي في تلك اللحظة كأنه يمثل اديبات وادباء العراق ، بوطنية خالصة ودعم لامحدود لمطالب الشباب وحقوقهم .

كأنه هو من قال :

"نريد .. وطن"

و

"اريد .. حقي" .

5

نصف جسر الجمهورية ، وانحناءة مقسومة من المنتصف ، تعبر  اكثر عن سكان المنطقة الخضراء .

حاجز ، تنهض كتله الكونكريتية بين العجز والعنفوان . واوبئة الفساد والنقاء ،

بين الوطنية الخالصة والباحثين في قمامات الغرباء عن الامان .

...........

قيس ال ابراهيم العذاري

18.3.2020


18Dec
تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.