ذهب قلبها معه


28 Dec
28Dec

ذهب قلبها معه

قيس العذاري

تجاوزنا استدارة نفق التحرير بشق النفس ، حشود متراصة ، وانا وسط اللجة اكتسفت وكأن "التكتك" صنعت لفوائد جمة . تنتظر بين الحشود ، تترك حولها فسحات صغير تعين على اختراق الحشود تمتد الى سياج نفق التحرير . يطل عليه جبل "احد" و على حواشي الخيم المنتشرة في الساحة . اتيح لي ان ارى طبيبة شابة تنحني على جريح جروحه طفيفة تسحبه الى السرير في الخيمة ، ويهرب منها فتلحق به مصرة على مداواة جروحه او تعقيمها .

 نسيت نفسي وانا اتأمل ما تفعله الطبيبة الشابة ، كأنها عاشقة ولهانة بكل جوارحها ، قسمات وجهها الفتي تنبسط وتنفعل برقة امام الشاب ، يصر على العودة الى الجسر ، وتجرجر به الى السرير ، فتصدر من الطبيبات والاطباء ضحكات كالهمس في الخيمة ، سرعان ما تعالت ، حين انفلت من بين يديها وهرب خارج الخيمة باتجاه الجسر . كأنه اخذ قلبها معه الى الجسر يحميه، وقد سدته الحشود في الاتجاه المؤدي الى المنطقة الخضراء .

 Relateret billede 

نبهني قاسم : الطريق من نفق التحرير الى السعدون مغلق .

قلت له نحاول ان نذهب في كل الاحوال!

كنا خارج الزحام ،الخيم امتدت على طول الشارع المؤدي الى السعدون من جانبي نفق التحرير .

 وفي الطريق عند نهاية نفق التحرير ، توقف قاسم فجأة قرب خيمة امام مجموعة من الشباب ،يعزفون بحماس واندفاع على الات موسيقية اغاني وطنية ، وبينهم فتاة واحدة تمسك بالة صغيرة تشبه الناي .

سأل عن المسؤول او قائد الفرقة .

اجابه شاب يحمل الجيتار تفضل : 

استصغر قاسم سنه !.

وسأله مازحا ودفتر النوتات مفتوح امامه : 

تعرف تقره وتكتب  "تقرأ وتكتب"؟

 فضجت الفرقة بالضحك .

ومن خلال ضحكه وارتباكه قال الشاب، للمرة الثانية تفضل :

قرأ قاسم مقاطع من قصيدة اعرفها وقبل ان يكملها قال له الشاب مسؤول الفرقة ، هذه القصيدة سمعتها من قبل ، يردد مقاطع منها بعض المتظاهرين. وكلماتها لابي محمد .

قال له قاسم أتريد قصيدة جديدة غير ملحنة ومعروفة  .

قال له الشاب : اتمنى ذلك .. يا ريت يا ريت! 

قال له قاسم :

اكتب ..

لم اسمع القصيدة من قبل ،قد يكون كتبها الليلة البارحة عندما افترقنا بنهاية شارع الرشيد المشتعل نارا وحواجز كأنه ساحة حرب . 

وما ان بدأ بقراءة القصيدة او مقاطع منها وقعت كأنها ملحنة بموسيقى وبالقاء بطيء وبحركة مكررة تملا القلب فرحا واملا .

 القصيدة ليست بحاجة الى ملحن ،فقط تجد من يعزفها ،رغم ان صوته أجش وغير غنائي، ولكنها ستكون كذلك لو ان المؤدي مغنن . 

لفتت كلمات القصيدة انتباهه وبذكائه انتبه وقال وكأنه متأكد مما قال :

انت ابو محمد .

2

شارع السعدون مغلق ،اصطف كالجدار على عرضه عناصر الشرطة ، سوى فتحة تكفي لمرور الاشخاص بعد التفتيش ذهابا وايابا ، تكفي ان ننفذ من نهاية نفق التحرير الى شارع السعدون  وقت ما نشاء ، كأنه حاجز ثابت لا ينام فرضه المتظاهرون بساحة التحرير .

3

يزدحم شارع السعدون بمتظاهرين من نوع اخر او محطة استراحة للعابرين . المقاهي والمطاعم ممتلئة بالزبائن وازدحامات هنا وهناك على جانبي الشارعين . اعدت على قاسم ما رأيته وشاهدته بالخيمة "المستشفى"  خيمة الطبيبات والاطباء .ارتشف شايه ببطء وقال : الحب مختلف هنا، له طعم اخر . يقترن بحدث تأريخي لا يمكن للمرء ان ينساه ابدا مهما مضى به العمر . واضاف ولكن انها ممكن ان تعيد ما فعلته مع الشاب الجريح مع شباب اخرين لان حبها العميق لهم مسبق وليس صدفة .

قلت له بلا فلسفة .

اخد نفسا عميفا من سكارته بعد ان توقف وقال وهو يضحك :

حظي وين؟

يتأمل الفتيات والنساء المارات بشارع السعدون ، كأنه يعرفهن من قبل وعن قرب ، اوسبق ان التقى بهن ،او راهن مرات ومرات مع المتظاهرين في ساحة التحرير وجبل "احد" المطل على الساحة .


قيس ال ابراهيم العذاري

27.12.2019


تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.