كهرمانة


17 Jul
17Jul

كهرمانة

قيس العذاري

قطعت الشارع من المسرح الوطني الى الرصيف البعيد المقابل، كانت محلات الكهربائيات، تصطفُ وتمتدُ على رصيف الشارع وتخفي جماله، لم تستطع الأشجار الخضراء الجميلة، إعادة جماله، وشعرتُ بالارتباك عند الرصيف، كمن يهربُ من المكان، كانت ساحة التحرير لا تبعدُ كثيراً، وقريبة، ولكن لا توجد مظاهرات اليوم، يجب الانتظار ليوم الجمعة..لا أتذكر في تلك اللحظة الى أين كنت أنوي الذهاب، فقد أتيتُ لعملٍ ما ونسيتهُ، حتى اصبحت الكرادة والمسرح الوطني، بعيدين عني .

قال سائق التكسي، سأوصلُك الى الكرنتينه، فقلتُ له من كهرمانة، فسألني تنزل قرب الساحة، فأشرتُ له «نعم»، فسمع تعليقي «أي ساحة»، وضحك بسخرية!! كانت هنالك بنزين خانة جديدة، تسدُ الساحة وتخنقُ الفضاء من بداية الشارع وتلقي بظلالها على ما تبقى من جماله وهدوئه، فدخل في الشوارع الفرعية الضيّقة، وبيوتها الهادئة، ووقف على مسافةٍ  من الساحة، وقال وهو يضحك «خلّصتك منها»، فشكرتهُ ..واعطاني رقم موبايله، وطلب مني الاتصال به بأيّ وقتٍ اشاء.

ساحة السباع

ساحة السباع كالحة ومنزوعة الأشجار وصاخبة، قطعتُ دخلت منها الى شارع الهادي، وقبل نهايته، لاحت أسلاك الكهرباء متشابكة ممتدة بكلّ اتجاه، وسوق الشارع المزدحم، والبنايات والخرائب المهملة على الساحة الصغيرة، نهاية الشارع، حتى تشعر بأنك لست في بغداد.. في ساحة السباع أو الهادي أو الأمين وباب الشيخ،رفضت هذه الاحياء البغدادية المتداخلة والمختلطة، بشدّة، الكانتونات وعزل السُنّة عن الشيعة، بأوج سُعار الطائفية بين عاميّ 2006 و2007 م، فكوفئت بالإهمال ، كأنها خارج أمانة العاصمة، رغم إنّها وسط بغداد، وترددت بالذهاب لساحة الميدان أو الرشيد، كان جامع الخلاني القريب عبارة عن خرابة بجدرانه العالية المحاذية للرصيف، ما زال بعض القاشاني الأخضر والأزرق، يتثبتُ بجدرانه وقبته المستديرة، كأنّهُ يشكو لشارع الهادي، ولكنهُ لا يجد في الشارع وساحته الشبيهة بمكب للنفايات والازبال، سوى خرائب مُماثلة، فيلوذ بالصمت والسكينة والهدوء.

 احياء وسط بغداد عبارة عن خرائب وساحات لجمع الانقاض، تقطعُ الشوارع حواجز تفيض عن الحاجة ونقاط سيطرة تخيف المارة، وأنت تتمشي، أنس أنك في وضعٍ أمني مضطرب، وأنك في أمان حين تتجول في بغداد، واذا لم تستطع أن تشعر بالامان، عليك ان تبقى في بيتك أو ترحل وتسافر .

شارع العلاوي أو من نهاية نفق الشارع والجسر أو المُجسّر الجديد، بداية الشارع باتجاه الكرادة، يرتفعُ حائطٌ كونكريتي هائل، يحمي المنطقة الخضراء، ويعزِلُها عن الشوارع والاحياء المجاورة، يظلُ يلف مع الشارع الى نهايته، قبل أن ادخل في الشارع، فكّرت بالرجوع لشارع الرشيد، فتذكرتُ محلات الزيوت وإطارات السيارات والاكسسوارات التي غزت الشارع، وتوقفت .

المسرح الوطني

عدتُ لرصيف المسرح الوطني، بدون هواجس أو أحلام، الكرادة خلف المسرح الوطني هادئة بلا ضجيج، أردتُ أن اتذكر العمل الذي أتيتُ من أجله .. ولكنني نسيت!! 

قطعتُ الشارع مرّة ثانية من رصيف المسرح الى الرصيف البعيد المقابل، وشعرتُ بالارتباك، لكثرة الكهربائيات على الرصيف، والمتسوقين وأصوات السيارات ونقطة التفتيش القريبة بنهاية الشارع.

 عجزت الإعلانات الكبيرة الملونة والأشجار الخضراء الجميلة والمُشذّبة عن إعادة رونقه وجماله، كنت على بعد خطوات من دجلة وأبو نؤاس، ولكنهُ فارغ الآن، بهذه الساعة، كأنّهُ بلا مقاهي أو رواد ومشروبات، اردتُ أن اتذكر العمل الذي أتيتُ من أجله في الكرادة قرب المسرح الوطني، ولكنني نسيتهُ .. 

قلت «سهام» ستُذكّرني به، تذهبُ خصيصاً لمحلاتٍ قريبة من كهرمانة، تبيعُ أكياس «جبس مُملح» أو بالوزن، وتأكلُ أكثر مما تشتري .. 

ولكنني نسيتُ أن اسألها !!

حين عدتُ مرة ثانية مشياً الى كهرمانة .

بغداد .. ليست بغداد .

قيس العذاري


18Dec
تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.